المغرب وفرنسا وتفجيراتُ مدريد
تعدُّ تفجيرات 11 مارس 2004 بمدريد والمعروفة بـ«M-11»، من أكثر المواضيع إثارة للجدل السياسي والأمني في إسبانيا، خاصة في ظل الصراع التقليدي بين الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي بشأن الرواية الحقيقية لمن يقف خلف هذا الهجوم الإرهابي.
اليوم وبعد 22 سنة من العملية الإرهابية، خرج وزير الدفاع الإسباني وقت وقوع التفجيرات فريديريكو تريو بخرجة أكثر ما يقال عنها إنها جاءت لتضع النقاط على الحروف، وتكشف المستور، فقد شكك وزير الدفاع في الرواية الرسمية، بصفته قياديا في الحزب الشعبي، والتي حصرت التفجيرات في خلية تابعة لتنظيم “القاعدة”. ولم يتقبّل هو وعدد كبير من المنخرطين في حزبه فكرة أن “الهجوم كان رد فعل على مشاركة إسبانيا في حرب العراق”.
وقد صرّح فريديريكو تريو مرارا وتكرارا في مقابلات إعلامية بوجود أيدٍ خارجية، وأجهزة استخبارات أجنبية كانت تهدف إلى تغيير الحكومة الإسبانية آنذاك، لكنه غالبا ما كان يتجنَّب تسمية دول بعينها بشكل رسمي وقاطع في اتهامات جنائية. ولكن وقتها بعض الصحف الإسبانية اليمنية مثل “أل موندو” وبعض ضباط الاستخبارات السابقين مثل خوسي مانويل فيلاريخو، هم من روّجوا بقوة لفرضية تورط المغرب وفرنسا بهدف إزاحة حكومة أثنار التي كانت علاقتها متوترة جدا مع الرباط…
كما أن التحقيق القضائي الإسباني والذي أغلِق فيما بعد، أدان خلية إسلامية متشددة وخلُص إلى عدم وجود دليل مادي يربط أي دولة سواء المغرب أو فرنسا أو حتى منظمة “إيتا” بالهجوم. ويعتقد بأن هذه الاعترافات تُستخدم للتوظيف السياسي وغالباً في الداخل الإسباني لتصفية حسابات سياسية قديمة، إذ يحاول الحزب الشعبي دائما إثبات أن وصول الاشتراكيين إلى الحكم في 2004 لم يكن طبيعيا.
ولكن بتاريخ 20 افريل 2026، قام فريديريكو تريو بتصريح قاتل في ندوة صحفية قامت بتغطيتها عدة صحف منها صحيفة “هيرالدو” التي كتبت مقالة بعنوان: “تريو يتهم كوماندوز مغربيا بتنسيق فرنسي خلف تفجيرات 11 مارس 2004 بمدريد”. وخرج تريو عن صمته الطويل وأدلى بتصريحات مباشرة وصادمة خلال عرض كتابه الجديد بعنوان: “ذكريات أول أمس” في برشلونة.
واليكم النقاط الجوهرية التي ذكرها تريو في هذا اللقاء:
1- الاتهام المباشر: إذ صرح تريو بعبارة قاطعة، أن لديه القناعة المطلقة بأن من قام بالعملية هو كوماندوز أرسل من المغرب، وكانت هذه العملية تحت حماية المخابرات الفرنسية ومراقبتها وبالتنسيق معها. ويعد هذا التصريح تحولا كبيرا، إذ انتقل تريّو من التلميح في السنوات الماضية إلى الاتهام الصريح وبالأسماء.
2- الاستناد إلى تقارير استخباراتية: ذكر تريو أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات البريطاني يتفقان على أن وراء المنفذين «جهاز استخباراتي قاري» في إشارة إلى فرنسا.
3- انتقاد إدارة أثنار للأزمة : اعترف تريو بوجود عجز وتخبُّط كبير في كيفية إدارة حكومة خوسي ماريا أثنار للأزمة وقتها، واصفا الإدارة بأنها كانت «سيئة للغاية». كما أوضح أن أثنار انغلق على نفسه مع وزراء محددين مثل زابيارنا وأثيبيس، واستبعده هو وزير الدفاع ومسؤولين آخرين من خلية الأزمة.
4- تغيير الرواية: هذه التصريحات تناقض الرواية التي دافعت عنها حكومته لسنوات طويلة، والتي كانت تحاول في البداية إلصاق التهمة بمنظمة “إيتا” الانفصالية، قبل أن يستقر التحقيق القضائي الرسمي على “خلية إرهابية متطرفة”.
وزير الدفاع السابق فريديريكو تريو ومن خلال كتابه الأخير يكون قد حسم الجدل حول موقفه الشخصي، إذ انتقل من مرحلة الشكوك العامة التي عرفت عنه لسنوات، إلى مرحلة الاتهام الصريح والعلني للمغرب وفرنسا، وهو تصريحٌ له وزن ثقيل نظرا لمنصبه كوزير الدفاع وقت وقوع الكارثة.
وأهمية ما كتبه يكمن في ثلاثة أمور:
1- التوقيت: صدور هذه المذكرات الآن يعيد فتح ملفات سياسية ودبلوماسية حساسة جدا بين مدريد والرباط وباريس.
2- المسؤولية: اعترافه بـ«التخبط» الحكومي في إدارة الأزمة يضفي صيغة من النقد الذاتي لم يكن موجودا بهذا الوضوح من قبل.
3- المصادر: إقحامه أسماء أجهزة مثل المخابرات الأمريكية والبريطانية يعطي لروايته بُعدا يتجاوز مجرَّد التحليل الشخصي إلى زعم بوجود معلومات إستخباراتية متقاطعة.
واليوم عندما نرصد هذا التحوُّل الجدري في تصريحات وزير الدفاع السابق، فالموضوع لم يعد مجرد نظريات مؤامرة يجري تداولها في الصحافة، بل أصبح شهادة رسمية لوزير الدفاع الإسباني الأسبق موثقة في كتابه.
وبناءً على هذا الظهور المثير للجدل لوزير الدفاع الإسباني الأسبق، والمعطيات الجيوسياسية والأمنية الراهنة في عام 2026، نستطيع القول إن خرجة فريديريكو تريو لا تخدم المملكة المغربية على الإطلاق، بل تضعها في موقف دفاعي وتفتح جبهات قديمة كانت الرباط تحاول طمسها وتجاوزها، فهذه التصريحات تضر بالمصالح المغربية في الوقت الحالي:
1- ضرب “العصر الذهبي” للعلاقات مدريد– الرباط: منذ عام 2022، وبعد اعتراف إسبانيا بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة “شراكة إستراتيجية” غير مسبوقة. وتعيد تصريحات تريو إحياء صورة المغرب كـ«عدو» أو «متآمر» مما قد يحرج حكومة بيدرو سانشيز أو أي حكومة اشتراكية تدافع عن التقارب مع المغرب، ويمنح اليمين المتطرف مثل حزب “فوكس” ذخيرة سياسية لمهاجمة المخزن.
2- التوقيت والتوثيق (كتاب مذكرات): خلافا للتسريبات الصحافية العابرة، فإن صدور هذه الاتهامات في كتاب مذكرات رسمي لوزير دفاع أسبق يعطيها صيغة «الشهادة التاريخية». هذا يمنح المعارضين للمغرب في أوروبا وفي العالم مستنَدا رسميا للاستشهاد به عند الحديث عن الأدوار الإقليمية للمغرب، ما قد يؤثر على صورة المملكة في المحافل الدولية.
3- إحراج المخابرات الفرنسية: إن إقحام فرنسا كمنسق للعملية، يزيد من تعقيد الحسابات. إذا كانت العلاقات المغربية الفرنسية تمرُّ بفترات شد وجذب، فإن اتهاما بهذا الثقل «الإرهاب» يجعل التعاون الأمني والاستخباراتي تحت المجهر الشعبي في أوروبا، وقد تضطر باريس لاتخاذ مواقف دفاعية قد لا تصبُّ دائما في مصلحة التنسيق مع الرباط.
4- إعادة فتح ملف قضائي حساس: رغم أن القضاء الإسباني حسم القضية، إلا أنَّ تصريحا من مسؤول رفيع المستوى كوزير الدفاع وبامتلاكه قناعة مطلقة، قد يدفع جمعيات ضحايا الإرهاب في إسبانيا أو أحزابا معارِضة للمطالبة بإعادة فتح التحقيق أو تشكيل لجان تقصي حقائق برلمانية. هذا النوع من «الضجيج القانوني» يربك الدبلوماسية المغربية التي تفضل الهدوء والتركيز على ملفات أخرى…
5- شيطنة المهاجرين: إن وصف وزير الدفاع الاسباني تريو للمنفذين بـ «الكومندوز المرسَل» أو وصفه المثير للجدل «moritos» يعزز النبرة العنصرية في الداخل الإسباني تجاه الجالية المغربية، إذ يربطها بالتبعية لأجهزة أجنبية للقيام بأعمال تخريبية، وهو ما يضرُّ بجهود الاندماج وبصورة الجالية المغربية في اسبانيا.
فهل تكتفي المملكة المغربية اليوم بالتجاهل الرسمي لهذه التصريحات؟ أم أن قوة الاتهام ستجبرها على الرد عبر القنوات الدبلوماسية أو قنوات أخرى؟.
صرح تريو بعبارة قاطعة، أن لديه القناعة المطلقة بأن من قام بالعملية هو كوماندوز أرسل من المغرب، وكانت هذه العملية تحت حماية المخابرات الفرنسية ومراقبتها وبالتنسيق معها. ويعد هذا التصريح تحولا كبيرا، إذ انتقل تريّو من التلميح في السنوات الماضية إلى الاتهام الصريح وبالأسماء. وذكر تريو أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات البريطاني يتفقان على أن وراء المنفذين «جهاز استخباراتي قاري» في إشارة إلى فرنسا.