“المفتشيات الجهوية” للتربية… مهام ثقيلة مؤجلة!
يشهد قطاع التربية الوطنية في الجزائر مرحلة مهمة من مسار الإصلاح والتطوير، في ظل الجهود التي يبذلها وزير التربية الوطنية محمد الصغير سعداوي، من أجل الارتقاء بجودة التعليم وتحسين أداء المنظومة التربوية، خلال تعزيز التكوين، وتطوير الممارسات البيداغوجية وترسيخ ثقافة الجودة.
بالإضافة إلى دعم آليات المتابعة والتقييم والتقويم وقياس نتائج التلاميذ المدرسية، وتقويمها على المستوى المحلي “الجواري”، وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا عن طريق إعادة النظر في وظيفة “المفتشيات الجهوية” للتربية، وتفعيلها وفق القوانين الساري العمل بها وأهداف الإصلاح التربوي، ذلك، لأنه ومنذ استحداثها سنة 2020، لم تطبق أحكامها على أرض الواقع ولا تزال مجرد “أجهزة للتفتيش” من دون تنفيذ.
وفي الموضوع، أوضحت مصادر “الشروق” أنه لأجل إنجاح مسار الإصلاحات التربوية التي باشرتها الوصاية في المدة الأخيرة ومتابعتها وتقويم نتائجها، وجب اتخاذ قرار يقضي بتفعيل عمل “المفتشيات الجهوية للتربية”، باعتبارها أحد الهياكل الهامة التي يمكنها أن تؤدي عدة مهام من أبرزها التكوين والمرافقة والتقويم التربوي.
وذلك بالنظر إلى موقعها بين الإدارة المركزية والميدان، وقدرتها على قراءة الواقع التربوي على مستوى جهوي، وتشخيص بذلك احتياجاته ومرافقة الفاعلين فيه.
غير أن الواقع الميداني يثبت أنه ومنذ استحداث المفتشيات الجهوية للتربية سنة 2020، لم تجسد لحد الساعة الأحكام الخاصة بها والواردة في المرسوم التنفيذي رقم 20-286 المؤرخ في 10 أكتوبر 2020 المحدد لتنظيم المفتشية العامة للتربية الوطنية وسيرها، في حين يبقى هذا التأخير في التنفيذ إما مرتبطا بعدم استكمال النصوص التطبيقية، أو بالإمكانات والهياكل والموارد البشرية، أو بترتيبات تنظيمية أخرى؟
وبالتالي، وجب استكمال ورش الإصلاح التي تقودها الوزارة، ذلك لأن المجهودات المبذولة من طرف الوزير في سبيل تجويد التعليم وتحسين أداء المنظومة التربوية، تحتاج إلى آليات ميدانية فعالة تساعد على تنفيذ الإصلاح ومتابعته وتقويم نتائجه.
ومن خلال قراءة سريعة لنفس المرسوم التنفيذي، يظهر أن المشرع لم ينظر إلى “المفتشيات الجهوية”، باعتبارها مجرد هياكل إدارية إضافية، وإنما وضع لها مكانة ضمن التنظيم العام للمفتشية العامة للتربية الوطنية. ومن ثم، فقد نصت المادة 11 على إنشاء عشر مفتشيات جهوية، يغطي اختصاص كل واحدة منها عدة ولايات، وهو ما يعكس توجها نحو إرساء تنظيم جهوي يسمح بتقريب عملية المتابعة والخبرة والتقييم من الميدان.
وفي المقابل، تأتي المادة 12 من نفس المرسوم التنفيذي، لتحدد الإطار البشري المشرف على هذه المفتشيات، من خلال الإشراف عليها من طرف مفتش من المفتشية العامة للتربية الوطنية، بمساعدة مفتشين ينتمون إلى أسلاك التفتيش، في حين أن المادة 13 فتبرز طبيعة المهام الميدانية المرتبطة بالتفتيش والمراقبة والتقييم والمتابعة، بما يمنح هذه الهياكل وظيفة تتجاوز العمل الإداري المحض نحو الإسهام في تحسين الأداء التربوي، مثل ما تشرح مصادرنا.
أما من الناحية التحليلية، فقد لفتت ذات المصادر إلى أنه يمكن قراءة هذه المواد باعتبارها تؤسس لفكرة الحوكمة التربوية الجهوية، أي وجود جهاز يمتلك القدرة على متابعة تنفيذ السياسات التربوية في نطاق جغرافي محدد (جهوي) وتقييم نتائجها ورصد الاختلالات، وتقديم المقترحات والتوصيات.
وعليه، فإن الوظيفة المنتظرة من المفتشيات الجهوية في سياق الإصلاح الحديث لا ينبغي أن تتوقف عند المراقبة والتفتيش. فالمؤسسة التربوية اليوم تحتاج إلى مرافقة مستمرة، وإلى تكوين يتناسب مع احتياجات الأساتذة والمديرين والمفتشين، وإلى آليات دقيقة لقياس النتائج وتقويمها.
ومن هذا المنطلق، فإنه يمكن للمفتشيات الجهوية للتربية أن تتحول إلى منصات متخصصة للتكوين والمرافقة والمراقبة والتقييم والتقويم، ويمكنها مثلا أن تنظم دورات تكوينية جهوية، وتنسق عمليات المرافقة البيداغوجية، وتدرس نتائج التقييمات وتشخص الصعوبات التي تواجه المؤسسات، وتقترح خطط المعالجة، ثم تتابع مدى تنفيذها وفعاليتها.
كما يمكن لنفس المفتشيات أن تضطلع بدور مهم في نقل انشغالات الميدان إلى الإدارة المركزية، ليس فقط في شكل تقارير إدارية، وإنما في شكل معطيات وتحليلات وتوصيات مبنية على الأدلة، وهذا من شأنه أن يساعد على جعل القرار التربوي أكثر واقعية وارتباطا بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات التعليمية.