الرأي

المفكّر مولود عويمر.. بناء على البناء

شرّفني رئيس الكرسيّ العلمي مالك بن نبيّ للدراسات الحضارية الدكتور عمار طالبي، بالدعوة لحضور حفل تكريم الباحث البروفيسور مولود عويمر بجائزة مالك بن نبيّ للتميّز العلمي والفكريّ، مساء السبت 25 أفريل 2026م بالمكتبة الوطنية، تقديرا لجهوده العلمية والفكرية والأكاديمية المتراكمة طيلة السنوات الماضية، فلبّيتُ الدعوة شاكرا مسرورا. وأهنئكم البروفيسور مولود عويمر بهذه المناسبة على هذا التتويج العلمي الذي يغبطك فيه الكثير من العلماء.

ظروف النشأة والنبوغ
وُلد مولود عويمر في مدينة بوغني، ولاية تيزي وزو سنة 1968م، من أسرة بسيطة، نشأ في ظروف عادية، لم تكن توحي بأنها ستنجب عقلا وقَّادا وكاتبا كبيرا ولسانا خطيبا. لا يزال سي مولود يتذكر ذلك السؤال الذي طرحتْه عليه معلمته وهو تلميذٌ في المرحلة الابتدائية عن أمنيته في الكِبر؟ فأجابها بعفوية وبراءة الأطفال أنه يريد أن يكون عالمًا. فما هي العوامل التي ساعدته في تحقيق أمنيته يا ترى؟

 سافر الطالب مولود عويمر إلى فرنسا لمواصلة الدراسة بماله الحرّ، إذ لم يحصل على منحة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وقد جمع المال من مهنة التعليم التي مارسها في المرحلة الثانوية لمدة عام واحد. وبالموازاة مع الدراسة في الجامعة هناك، كان الطالب عويمر يمارس أعمالا شاقة في المزارع والأسواق خارج أوقات الدراسة للتكفُّل بنفسه. وقد حزّ في نفسه أن يرى بعض الطلبة الحاصلين على المنح يتسكّعون في طرقات فرنسا ولا يبالون بالدراسة.

لا شك أن هناك عوامل كثيرة تضافرت في حياة الدكتور مولود عويمر، ساعدته على تحقيق ما كان يصبو إليه، فهو أوَّلا ينتمي إلى منطقة ذات موروث علميّ وثقافيّ وتربوي على قدر كبير من الأهمية، إذ هناك في محيطه الجغرافيّ زاويتان لتعليم العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية نشرتا الوعي الإسلامي، هما زاوية (ثِمْعَمّرْثْ) سيدي علي اُويحيى (عرش آث كوفي) التي تأسست في القرن الـ15م، ولا تزال عامرة إلى يومنا هذا، وقد تحسَّن مستواها في عهد الاستقلال بفضل جهود الشيخ السعيد قاضي والأستاذ عبد الرحمن مصطفاوي وغيرهما من الأخيار. وهناك أيضا زاوية (ثِمْعَمّرْثْ) سيدي عبد الرحمن الجرجري الأزهري الغنيّ عن التعريف الذي كان عالم زمانه (القرن 18م) جمع بين الفقه والتصوّف، وقد بنى له العثمانيون ضريحا في الحامة (شارع محمد بلوزداد بالعاصمة حاليا) يليق بمقامه المحمود. علما أن أتباع الطريقة الصوفية الرحمانية، قادوا المقاومة الشعبية في منطقة الزواوة (القبائل) وما جاورها طيلة القرن الـ19م، ولعل أبرز مراحلها انتفاضة 1871م بقيادة الحاج محمد المقراني، والشيخ محند أمزيان بن الحداد مقدّم الطريقة الرحمانية في زمانه. لا شك أن الموروث الثقافي لهاتين الزاويتين قد حصّن السكان بثقافة حبّ العلم وتبجيل العلماء، فصاروا يتطلعون إلى أن يكون أبناؤهم على شاكلتهم.

الاحتكاك بالمعلمين
من جهة أخرى، نشأ الطفل مولود عويمر في حيّ المعلمين بمدينة بوغني، فكان كثير الاحتكاك بهم وبثقافتهم العربية، وقد جاء معظمهم من المشرق العربي في إطار التعاون آنذاك. ونجم عن ذلك حبّه للمطالعة، فقرأ بنَهَم معظم الكتب التي كانت تحتويها مكتبات مدرسته الابتدائية والإكمالية والثانوية. وفضلا عن ذلك كان يشتري -قدر المستطاع- معظم المجلات العربية المستورَدة من البلاد العربية.

دور العائلة في إرشاده
لا شك أن دور عائلته كان حاسما في نجاحه، بدليل أنه ذكر أفرادها في الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة، لِما لها من فضل في تربيته وتكوينه وتوفير الظروف المثالية التي ساعدته على التفرُّغ للدراسة والبحث الأكاديمي، وقال في هذا السياق: «أعبّر أيضا عن بالغ شكري وتقديري وعرفاني لوالدي الكريم أحمد رحمه الله، ولوالدتي الحاجَّة فاطمة الزهراء متّعها الله بالصحة والعافية، ولأختي الكبرى حجيلة التي كانت بمثابة الأم الثانية، وكل إخوتي وأخواتي، ولزوجتي الدكتورة صليحة كامل الشكر والامتنان والتقدير والودّ، فقد ضحَّت بكل شيء من أجل السهر على راحتي وتفرّغي للبحث وانصرافي للعمل الثقافي، ومن أجل تربية ولديها فيصل وريهام».

فضل العصامية في مساره العلمي
لعل ما يجهله الكثير من الناس أن الطالب مولود عويمر قد سافر إلى فرنسا لمواصلة الدراسة بماله الحرّ، إذ لم يحصل على منحة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وقد جمع المال من مهنة التعليم التي مارسها في المرحلة الثانوية لمدة عام واحد. وبالموازاة مع الدراسة في الجامعة هناك، كان الطالب مولود عويمر يمارس أعمالا شاقة في المزارع والأسواق خارج أوقات الدراسة للتكفُّل بنفسه. وقد حزّ في نفسه أن يرى بعض الطلبة الحاصلين على المنح يتسكّعون في الطرقات ولا يبالون بالدراسة.

كان بإمكان الدكتور عويمر أن يحصل على وظيفة هناك في الجامعة الفرنسية، لكنه فضَّل العودة إلى أرض الوطن ليفيده بما حصل عليه من علوم ومعارف، وقد سأله صِحافيٌّ ذات مرّة: لماذا عدت؟ فأجابه أنه عاد مثل الطلاب الأوروبيين الذين عادوا من الأندلس إلى بلدانهم يحملون التمدُّن إلى أوطانهم.

على أيّ حال لم تلبث أوضاعه الاجتماعية أن تحسّنت بعد أن صار يحرِّر الرسائل الجامعية للطلبة الأسيويين الذين كانوا لا يحسنون الفرنسية، وينشر مقالات في بعض المجلات، ثم حصل على وظيفةٍ في الجامعة.

احتكاكه بالأكاديميّين
دامت رحلة طلب العلم في فرنسا 12 سنة، قضاها سي مولود عويمر في قاعات الدراسة والمكتبات وأروقة الأرشيف الغنيّ. وفضلا عن ذلك جالس علماء كثيرين من جنسيات مختلفة، ذوي توجهات فكرية متنوّعة، كانوا يُقيمون في فرنسا أو يزورونها طلبا للعلم أو للسياحة وأبرزهم بورديو وب. ستورا ومحمد أركون وإدوارد سعيد والعروي وحسن حنفي وع. بدوي… كانت مجالسته لتلك الشخصيات بمثابة مدرسة نهل منها التسامح والفكر النقدي المتميّز باحترام وجهات النظر العلمية المتنوعة. لذلك عاد إلى الجزائر ممتلئ الوفاض علميا وتربويا ومنهجيا، وبأفق رحب لا يكدّره الاختلاف. والجدير بالذكر أنه كان بإمكانه أن يحصل على وظيفة هناك في الجامعة، لكنه فضَّل العودة إلى أرض الوطن ليفيده بما حصل عليه من علوم ومعارف، وقد سأله صِحافيٌّ ذات مرّة: لماذا عدت؟ فأجابه أنه عاد مثل الطلاب الأوروبيين الذين عادوا من الأندلس إلى بلدانهم يحملون التمدُّن إلى أوطانهم.

توفّر شروط الأستاذية في شخصيته
لقد سبق لأستاذي البروفيسور ناصر الدين سعيدوني -أطال الله في عمره- أن حدّد صفات الأستاذ الجامعي الناجح في ثلاث ركائز: المؤهّل العلمي والإنتاج الفكريّ والتواضع والنزاهة، ومن المؤكّد أنها تتوفر كلها في شخصية سي مولود المحتفى به، فقد شهد له بذلك كل من يعرفه؛ فهو يتحلى بحسن الخُلق والتواضع والصفح عن الناس والصبر فهو شديد التحمُّل للصعاب، فصدره بحرٌ لا تكدّره الدلاء، يتمثّل في سلوكه اليوميّ السنابل الملأى التي تنحني تواضعا. إنه يركز كلّ جهوده نحو الغاية العلمية التي يحددها بدقة الباحث الواثق من قدراته على تجاوز العراقيل.

شخصية عويمر الفكرية
لا يمكن أن نوفّي الدكتور مولود عويمر حقه في عجالة، بالنظر إلى تعدد أعماله الفكرية الكبيرة، لكن ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جُلّه. هذا ولا أخفي عنكم أنني من المعجبين بقلم الدكتور عويمر وبعقله وبأخلاقه، وهو مسلّح بالمؤهلات العلمية والتجارب وملمٌّ بالفكر الإنسانيّ والكتابة باللغتين العربية والفرنسية، وهو رجل فذّ مُجدٌّ لا يعرف الملل والكلل، إنه لا يجد سعادته إلَّا في رحاب الحبر والقلم والتعليم ومناقشة الرسائل الجامعية والكتابة الأكاديمية والفكرية، والمشاركة في الملتقيات العلمية وفي تأليف الكتب وتحبير المقالات، وتدوين كلمات تصدير لغيره من الكُتّاب Préfaces des Livres وفي تقديم برامج إذاعية ثقافية، وفي إعمال العقل لتجاوز تحديات العصر الخطرة بين الشرق والغرب.

اهتمامه بأعلام الجزائر
أولى الدكتور مولود عويمر اهتماما بالغا بالفكر الجزائري وأعلامه من وزن مالك بن نبيّ، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد تزروت المنسيّ (الذي ألف كتبا كثيرة حول الغرب والعالم الإسلامي، وترجم كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية للكاتب الألماني كارل بروكلمان إلى الفرنسية)، ومحمد بن شنب، وعبد القادر المجاوي، وعلي مرّاد، ومحمود بوزوزو، وسعيد شيبان، وعبد الرحمن شيبان، والفضيل الورثيلاني، وتوفيق المدني، وعبد الرحمن الجيلالي، ومحمد الشريف ساحلي، ومحمد أركون وغيرهم من الشخصيات الجزائرية المعاصرة…

أعلام العرب والمسلمين
غير أن اهتمامه بالعلماء الجزائريين لم يُنسِه إسهامات العرب وغيرهم في إثراء الفكر الإنساني، فأشار في هذا السياق إلى العديد من الأسماء، منهم شكيب أرسلان ومحمد الغزالي وأبو الأعلى المودودي ومحمد إقبال وعبد الله العروي وغيرهم… كما أنصف البروفيسور مولود عويمر، إسهاماتِ المرأة المعاصرة في النبوغ العلميّ والأدبيّ بعد أن عاشت قرونا على هامش التاريخ، فخصّص لها كتابا يليق بكرامتها بعنوان: “التاريخ المؤنّث”، ذكّرني بكتاب الشيخ أبي يعلى الزواوي الموسوم: “مرآة المرأة المسلمة” المفقود.

رأيه في المستشرقين
يرى البروفيسور مولود عويمر أن المستشرقين لا ينتمون إلى مدرسة واحدة في دراساتهم للحضارات الشرقية، فمنهم من فعل ذلك في سياق الانتصار للمشروع الاستعماري، فأنجزوا دراسات عن الحضارات الشرقية ذات مسحة إيديولوجية تحقيرية كما فعل المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه، والمستشرق الألماني ماكس فون اُوبانهايم، والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في بداية حياته العلمية.

 الدكتور عويمر مسلّح بالمؤهلات العلمية والتجارب وملمٌّ بالفكر الإنسانيّ والكتابة باللغتين العربية والفرنسية، وهو رجل فذّ مُجدٌّ لا يعرف الملل والكلل، إنه لا يجد سعادته إلَّا في رحاب الحبر والقلم والتعليم ومناقشة الرسائل الجامعية والكتابة الأكاديمية والفكرية، والمشاركة في الملتقيات العلمية وفي تأليف الكتب وتحبير المقالات، وتدوين كلمات تصدير لغيره من الكُتّا ، وفي تقديم برامج إذاعية ثقافية، وفي إعمال العقل لتجاوز تحديات العصر الخطرة بين الشرق والغرب.

وهناك مستشرقون آخرون على نقيض الأسماء المذكورة، قاموا بدراسة التراث العربي الإسلامي دراسة موضوعية منصفة، نقلت مآثر العرب والمسلمين الحضارية إلى الغرب، ودافعوا عن إسهاماتهم الفكرية في الحضارة الإنسانية، ومنهم على سبيل المثال المستشرق الهولندي أرند جان فنسنك الذي كان رائدا في وضع كتاب “المعجم المفهرس لألفاظ الحديث”، والعالمة الألمانية زيغريد هونكه مؤلفة الكتاب الشهير الموسوم بـ”شمس الله تسطع على الغرب”، والكاتب الفرنسي جاك بيرك. بل وأكثر من ذلك هناك من المستشرقين من اعتنق الإسلام بعد الاشتغال عليه لعقود طويلة، على غرار المستشرقة الفرنسية إيفا دوفيتري ميروفيتش سنة 1950م.

إسهامات علماء الجزائر في الفكر الإصلاحي
المقصود بمفهوم الإصلاح عموما هو تلك الجهود الفكرية التي بذلها بعض علماء المسلمين المتنوّرين من أجل تحرير العقول من الجمود وإحياء الاجتهاد واقتباس المناهج العلمية من الغرب، لإعادة الروح إلى الحضارة الإسلامية ولإخراج الأمة من التخلف، الذي جعلهم لقمة سائغة للاستعمار الغربي المسلح بالعلم والتكنولوجيا.
أشار البروفيسور مولود عويمر في مقدمة كتابه الموسوم بـ”الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير” إلى هذه المعاني بقوله:«إن سؤال التنوير الذي طرح في أدبيات العديد من العلماء والمفكّرين العرب والمسلمين بداية من الثلث الأول من القرن التاسع عشر، كان هدفه تغيير أحوال العالم العربي والإسلاميّ الذي أصابه التخلف في مجالات مختلفة». ومن بين الأسماء التي ركّز عليها باعتبارها ثالث الأثافي في النهضة العربية، محمود بن العنّابي الجزائري الذي قال عنه ما يلي: «إن المتأمل لمسار حركة التنوير في العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، يدرك بوضوح مدى مساهمة النخبة الإصلاحية الجزائرية في الاهتمام بسؤال النهضة في وقت مبكّر، وتناوله بمقاربة إبداعية منذ عام 1826م الشيخ محمود العنابي صاحب كتابيّ: “صيانة الرياسة ببيان القضاء والسياسة” و”السعي المحمود في نظام الجنود».

نحو توطين النزعة العقلانية
تهدف جهود البروفيسور مولود عويمر إلى توطين النزعة العقلانية والروحية والإنسانية، متجاوزا الطروحات الضيقة كالعرقية والطائفية والمقاربة الإيديولوجية العاطفية المُضرّة بروابط التآخي والتعايش والتسامح بين الناس، إنه يجتهد لإعلاء قيم الفكر الإنساني ولبناء الوعي، لتكريس كرامة الإنسان أينما كان.

أهمية فقه التاريخ في نهضة الأمم
من الطبيعي أن يركز البروفيسور عويمر في أعماله الفكرية على أهمية التاريخ في حياة الإنسان المعاصر باعتباره ديوان العِبر -كما أشار العلامة عبد الرحمن بن خلدون- ينضح بالحِكم التي تُستخلص عن طريق استقراء أحداث التاريخ، تجعلنا نكتشف القوانين الكونية التي تتحكم في صعود وانهيار الحضارات. وفي هذا السياق توصّل عبد الرحمن بن خلدون إلى استخلاص حكمة هامة من قراءته للتاريخ، مفادها أن “الطغاة يجلبون الغزاة”. وقد برزت هذه ” القاعدة” بوضوح في تاريخنا العربي المعاصر. وعليه فنحن لا نفتح سِفر التاريخ بنيّة استنساخ الأحداث الماضية بحذافيرها، بل نفعل ذلك من أجل الاعتبار بدروس الماضي، حتى لا تتكرّر المصائب والمآسي التي عاشها الأولون. نقرأ التاريخ لاستحضار رموز النجاح ولاكتشاف عناصر القوّة الكامنة في أغوار التاريخ، عملا بنصيحة أمير الشعراء:
اقرأ التاريخ إذ فيه العِبر ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبر.

حيوية الحضارة الإسلامية
تعدُّ الحضارة الإسلامية حلقة منيرة في سلسلة الحضارة الإنسانية، استوعبت الحضارات السابقة، ثم أضافت إليها بصمتها العلمية، لتصير بعدها منهلا لأوروبا عن طريق الأندلس، وقد اعترف أهلُها بفضل المسلمين في إيقاظهم من سباتهم.
يرى البروفيسور مولود عويمر أن الحضارة الإسلامية رغم ما أصابها من أفول، فهي تحمل في طياتها عوامل قوّتها وهي: العقل والأخلاق والعدل والرصيد الحضاري، والتي تمكّنها من التجدّد والعودة إلى واجهة الحضارة الإنسانية. ومن عوامل قوّتها الأخرى -في نظره- أنها متسامحة تحترم خصوصيات الشعوب الثقافية المنضوية تحت لوائها، بدليل أن هذه الحضارة قد ازدهرت في الحواضر البعيدة عن مهبط الوحي ومركز الدولة الأولى. إنها تدعو إلى الوحدة في إطار التنوُّع الثقافي الذي يجعل المسلمين يشعرون بالمساواة والتآخي. هذا وقد أكّد المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي (صاحب نظرية التحدّي والاستجابة) أن الحضارة الإسلامية متميّزةٌ وعابرة للأزمان بفضل قوّتها الذاتية المشار إليها.

الكتابة معاناة تنجب المتعة
رغم ما ينجرُّ عن الجهود الفكرية من أتعاب مُضنية، فإن البروفيسور عويمر يشعر في خضم معاناتها بالسعادة، وهو الشعور الذي ينتاب أيضا “عقَّاد الجزائر” الكاتب محمد الصالح آيت الصديق في الحالة نفسها. لذا نراه يتجشم مشاقّ الأسفار ليواظب على المشاركة في ملتقيات علمية كثيرة، على حساب راحته وجيبه وعائلته، إلى درجة أنني نصحتُه يوما بضرورة الرّفق بصحته، لكن من أين له أن يتقبّل نصيحتي وهو صاحب الهمّة العالية والنفس العظيمة؟ وقد قال شاعر العرب المتنبي:
إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام.

سموُّ منزلته في عيني
صارحتُ سي مولود منذ سنوات خلتْ أنني أتوسم فيه خيرا كثيرا، وأراه مشروعا كبيرا للفكر يعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية التي تجعل الإنسان يفكّر. وها هو رئيس الكرسيّ العلمي مالك بن نبيّ للدراسات الحضارية، يؤكد صحة فِراستي حين اختاره لتكريمه بجائزة مالك بن نبيّ للتميّز العلمي والفكري، ويؤكّد أيضا أن المشروع قد صار واقعا ملموسا.
سبق لي أن قلت للبروفيسور عويمر -من باب المزاح- إنني أفضل أن أناديك: “سي مولود” تيمّنا بمآثر المفكر مولود قاسم نايت بلقاسم، ولأنني أراك امتدادا له، بل وزيادة. علما أن المؤرخ الدكتور بلقاسم سعد الله -رحمه الله- كان يخاطب صديق عمره كتابةً ومشافهة بهذا الاسم من دون غضاضة.
أرجو لكم سي مولود مزيدا من الفتوحات الفكرية في مساركم الذهبي المتميّز بالجواهر الحسان، جمعتم فيها بين الأصالة والمعاصرة، والنقل والعقل والنقد، والنهل من الفكر الغربي، فأعمالكم ليست تكديسا للمعارف، بل تشكل قيمة مضافة للفكر الجزائري وللفكر الإسلامي، بل ولفكر البشرية قاطبة. لا يفوتني في الأخير أن أجدّد شكري للسيد رئيس الكرسيّ العلميّ مالك بن نبيّ للدراسات الحضارية الدكتور عمار طالبي، على حسن اختياره للشخص المحتفى به في هذا اليوم الأغرّ، المشهود، المجيد.

مقالات ذات صلة