المقاومة كفعل حداثي
لطالما ارتبط تعريف الحداثة بالتقدم والتحرر والنهضة. هذا المفهوم الذي دخل إلى عالمنا العربي، سواء على صعيد الأدب والثقافة أو في مجالات الاقتصاد والسياسة، ومنها استطاع أن يتسلل إلى الفكر السياسي الثوري والمقاوم.
تُعرَّف الحداثة على أنها تغيير للواقع من أجل انسجامه مع رغبة الإنسان، وهي التي منحت الإنسان الفرد القيمة العليا التي تُخضع من أجلها قوانين الطبيعة، ليصبح الإنسان هو الغاية والوسيلة معًا. وإضافة إلى ذلك، فإن من أهم خصائص الحداثة خاصية الإبداع، سواء كان فكريًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
فالحداثة، بهذا المعنى، هي الفعل المضاد للمذهب الكلاسيكي (المحافظ) الذي يُصرّ على تغيير الإنسان لينسجم مع الواقع، والقبول بالشروط الطبيعية للحالة كما هي. وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لا بويسي في كتابه «العبودية المختارة» أو «العبودية الطوعية» حين قال:
«يصعب على المرء أن يصدق كيف أن الشعب، متى تم إخضاعه، يسارع إلى السقوط فجأة في هوة النسيان العميقة لحريته، حتى ليمتنع أن يستيقظ لاستعادتها، ويقبل على الخدمة بحرية وتلقائية، حتى ليظن من يراه أنه لم يخسر حريته بل ربح عبوديته».
وعليه، أصبحت المقاومة، حسب المذهب الحداثي، مذهبًا تقدميًا وشرطًا أساسيًا للنهوض بالواقع الطبيعي والتاريخي نحو مستقبل أفضل، يتيح للإنسان أن يحيا وفق معطيات عصره وقوانينه، وبحرية تُعدّ أثمن ما يملك. ومن هنا كانت الثورة الفرنسية حالة تتويجية للفكر الحداثي الأوروبي من حيث التحول التاريخي والقيمي والإنساني.
ولأن الإنسان هو الركن الأساسي من أركان الحداثة، فقد عبّر عن ذلك العديد من منظّريها، بدءًا من جان بول سارتر الذي قال:
«الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا»،
وصولًا إلى كارل ماركس الذي رأى في الإنسان «أعلى رأسمال في الوجود».
غير أن مفهوم المقاومة والحداثة قد دخلا في تضاد داخل عالمنا العربي. فبعض منظّري الحداثة العرب يرون أن المقاومة، أو أي شكل من أشكال الثورة، ليست سوى فعل رجعي يفضي إلى التخلف والفقر والتجهيل، وبالتالي يؤخر عملية النهوض والتقدم. وهؤلاء، في تصوري، لم يأخذوا من الحداثة سوى قشورها، ولم ينفذوا إلى جوهرها، إذ اعتبروها نموذجًا أوروبيًا صرفًا يجب تطبيقه حرفيًا في المجتمعات العربية دون مراعاة خصوصياتها.
وبذلك، رفضوا أي حداثة لا تكون مرتبطة بالمركز الأوروبي، باعتبارها حداثة متأخرة، لتتحول الحداثة بهذا الفهم إلى إعادة إنتاج استعمارية مطابقة لمفهوم الاستشراق، كما وصفه المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بقوله:
«الشرق الذي يظهر في الاستشراق هو نظام من الصور التي تمثّله، والتي صاغتها مجموعة كبيرة من القوى، وأُدخل الشرق من خلالها في مجال العلوم الغربية والوعي الغربي».
وهكذا تم تهميش العقل والخصوصية غير الغربية في أدبيات المستشرقين.
في المقابل، برزت الحداثة كضرورة ملحّة في مجتمعاتنا، شريطة أن تبدأ من القاعدة وصولًا إلى القمة، ليكون التغيير شاملًا دون استنساخ أعمى لتجارب الآخرين. ومن هنا، كانت المقاومات والثورات شكلًا أساسيًا ومطلبًا ملحًا للشروع في مسار حداثة خاصة بكل مجتمع، بما في ذلك المجتمعات العربية.
وحيث إن الإنسان هو صيرورة هذا الكون ورمزيته، فقد وجب عليه تغيير الواقع المنوط به للوصول إلى الغاية التي يسمو إليها، وعلى رأسها الحرية، تلك القيمة التي شكّلت جوهر الحداثة ومحورها الأساس. فلا يمكن لأي إنسان أن يكون حداثيًا وهو واقع تحت سيطرة استعمار سياسي أو فكري أو اقتصادي، ومن هنا شكّلت المقاومة أولى خطوات الحداثة بلا منازع.
في كتابه «المقاومة والحداثة»، يشير المفكر طه عبد الرحمن إلى أن المقاومة اللبنانية أحدثت نقلة نوعية من حيث الإبداع في طريقة التغيير والانتقال من حالة إلى أخرى، إذ يقول:
«لقد حققت المقاومة اللبنانية تحولًا وجوديًا في الأمة، نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ولذلك تنتمي أفعال المقاومين إلى الحداثة، لأن الحداثة ليس لها قانون واحد في التطبيق، كما أن الإبداع ليس له طريق واحد في الظهور».
لقد تم افتتاح عصر حداثة عربية خاصة منذ أن بدأ الصوت العربي يبدع في طرائق تغييره، وكان السابع من أكتوبر حدثًا حداثيًا في العقلية العربية والعالمية. فهذا الحدث، المستند إلى خصائص فلسطينية محضة، استنسخ من واقع الظرف تجربة خاصة نقلت الفلسطيني من طور المحلية إلى طور العالمية.
لقد أصرّ النموذج الأوروبي الحداثي على عالميته وتصدير نفسه إلى الأطراف، محافظًا على مركزيته الغربية، غير أن المقاومة الفلسطينية رسمت اليوم مشهدًا تقدميًا جديدًا، من حيث الإبداع المقاوم على الأرض، ومن حيث الخطاب الإعلامي، ومن حيث اللكنة السياسية الجديدة، فضلًا عن الأخلاق النابعة من قيم عربية وإسلامية وفكرية، أسست لمرحلة جديدة نقلت القضية الفلسطينية من طور النسيان إلى طور إحياء الذاكرة وسيرة التغريبة منذ النكبة.
تلك المقاومة التي نقلت العالم بأسره من مرحلة الحياد الأخلاقي والفكري تجاه ما تعرّض له الفلسطيني طوال العقود الماضية، إلى مرحلة تبنّي الرواية الفلسطينية والدفاع عنها في الساحات، والمؤسسات الدولية، والبرلمانات. لقد أحدث السابع من أكتوبر حداثة عالمية قلبت موازين الفهم السائد، وكسرت التحريف الذي طالما غيّب الحق الفلسطيني.
ولأن من شروط الحداثة عالميتها، فقد أصبحت المقاومة في فلسطين اليوم فعلًا حداثيًا ونهضويًا، وميزة تقدمية في العقل الجمعي العالمي، على مستوى القمم والقواعد، والنخب، ومن مختلف الأطياف العمرية والتيارات السياسية والحزبية.
فالحداثة خُلقت من أجل الإنسان وكرامته، وشعار العالم اليوم:
من أجل أن تكون حداثيًا، لا بد أن تكون إنسانًا،
ومن أجل أن تكون إنسانًا، لا بد أن تكون فلسطينيًا.