الملاكمة الجزائرية: 4 حقائق مُرّة ترهن المستقبل
أبرز إبراهيم بجاوي المدير الحالي للمنتخبات الوطنية للملاكمة، والبطل الشهير “أحمد دين”، أربع حقائق مرّة ترهن مستقبل الفن النبيل في الجزائر، وقالا أنّ القفاز الجزائري يشكو حاليا تبعات السياسات العرجاء منذ عقود، على نحو يلبّد أفق هذه الرياضة التي ظلت تسعد الجزائريين، ويجعل حظوظ ملاكمينا ضئيلة في الصعود على منصات التتويج برسم أولمبياد ريو 2016.
في أولى ندوات “الشروق الرياضي”، قام إبراهيم بجاوي صاحب رصيد نصف قرن في عالم الفن النبيل، وأحمد دين أحد أحسن ما أنجبت الملاكمة الجزائرية، بتسريح راهن اختصاص يتلوى في المشاكل رغم هالة النتائج الايجابية التي ظلّ يحققها ملاكمونا منذ ألعاب مرسين المتوسطية 2013، وعدّد الاثنان أربعة نقاط حسّاسة تربك الفن النبيل في الجزائر: غياب العمل القاعدي – الافتقاد إلى استراتيجية – انتفاء قاعات الملاكمة ونقص الكوادر المتخصصة، ما يفرز كثير من العتمة على مستقبل هذه الرياضة المحبّبة لدى الجزائريين.
وفي أجواء حميمية سادتها الصراحة، ركّز “إبراهيم بجاوي” المدرب السابق للمنتخب الوطني للملاكمة والحالي للمنتخب الوطني العسكري، على أنّ الوضع الحالي للقفاز الجزائري ليس في أفضل حال بفعل غياب العمل القاعدي ونقص المنشآت وعدم بناء قاعات جديدة خصيصا للملاكمة، وعدم تجديد فضاءات موروثة عن العهد الاستعماري.
وانتقد بجاوي إقدام “شريف رحماني” أيام إشرافه على ما كان يسمى “محافظة الجزائر الكبرى” (1997 – 2000) على هدم قاعة باب الوادي الشهيرة المعروفة باسم “ألجيريا سبور” التي كانت أكبر حلبة للملاكمة والجمباز بالعاصمة، لكن رحماني أقدم على هدمها وحوّلها إلى حديقة يحتلها منحرفون في قلب مركب الكيطاني.
وفي تشريحه لراهن الملاكمة والرياضة بشكل عام في الجزائر، اعتبر مدرب الزاوي وموسى ومزيان والراحلين سعيد عز الدين وحسين سلطاني، أنّ الكارثة حلت في الجزائر بعد إنشاء المعهد العالي لتكنولوجيا الرياضة (INFS/STS ) الذي كان في رأيه “السبب المباشر للقضاء على الرياضة الجزائرية”، بحكم من تخرجوا منه لم تكن لهم أي علاقة لهم بتاتا بالرياضة”، وذهب إلى أنّ “هؤلاء الدخلاء على الرياضة بشكل عام والملاكمة بشكل خاص، باتوا يهتمون بأنفسهم وبأناقتهم وأجرتهم ولا تهمهم الرياضة في شيء، ما انعكس على المستوى العام”.
بدوره، أبدى البطل السابق “أحمد دين” والمدرب الحالي للمنتخب الوطني أواسط، انشغاله برداءة مستوى القواعد، رابط المسألة بزوال أعرق المدارس ومن سماهم “المدربون الحقيقيون”، مقحما عامل تضاؤل عدد الدورات الوطنية للملاكمة التي كانت تنظم بشكل دوري، لكن للأسف لم يعد ذلك حاليا متاحا، كما أنّ التكوين لم يعد قائما مثلما كان في السابق بعد تلاشي مدارس بوفاريك، بوسماعيل، بلعباس، عين الترك وجمعية وهران، تماما مثل مدارس الشرق الجزائري كعنابة وقسنطينة التي اندثرت أيضا.
وعن حظوظ ملاكمينا في التتويج سنة 2016 برسم أولمبياد ريو، سجّل إبراهيم بجاوي أنّه لا ينتظر الكثير من الملاكمة الجزائرية في أولمبياد ريو، ورأى أنّ الأمر غير مفصول عن غياب إستراتيجية واضحة من أجل تطوير الملاكمة وتحسين النتائج على المستوى الدولي وفي الاستحقاقات العالمية وبالأخص الألعاب الأولمبية، حيث لم يتم تحضير خلفاء للملاكمين الحاليين وهو ما سيعود بالسلب على نتائج المنتخب في ألعاب أولمبية هي المعيار الحقيقي لاختبار قدرات ملاكمينا على الصعيد العالمي.
الحديث امتدّ ليشمل الظروف التي نالت فيها الجزائر أولى ميدالياتها الأولمبية بلوس أنجلس، حيث أفاد بجاوي أنّ المنتخب الوطني آنذاك كان متكاملا بملاكمين متميزين في جميع الأوزان، وهو ما ساعد على تحسين النتائج لاحقا إلى غاية تمكّن الراحل حسين سلطاني من افتكاك ذهبية ألعاب أطلنطا 1996.
كما تعرض أحمد دين إلى مسيرته الحافلة كهاوي وكمحترف بين 1980 إلى 2004، حيث أحرز في وزن فوق المتوسط (75 كلغ)، بطولة الجزائر 12 مرة متتالية، كما افتك عديد الألقاب الدولية في صنفي الهواة والمحترفين.
فيما يلي، نقترح عليكم المضمون الكامل للندوة:
نصر الدين قاسم: باسم جميع الصحفيين نرحب بالبطل العالمي السابق أحمد دين المدرب الحالي للمنتخب الوطني أواسط، وإبراهيم بجاوي نشكرهما على تلبيتهما الدعوة في أولى ندوات الشروق الرياضي، واستضافتنا للملاكمة هي عرفان بجميل رياضة هي الأولى التي أهدت ميداليات أولمبية للجزائر في دورة لوس أنجلس 1984.
كنا نمتلك منتخبا متكاملا في الثمانينيات
رابح هوادف: يشكّل إبراهيم بجاوي رفقة أحمد دين وكوكبة لامعة من الأبطال السابقين كموسى، بودشيش، عيبود، كوشان، مزيان وغيرهم حلقة هامة في نوستالجيا العصر الذهبي للملاكمة الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي، الجيل الجديد يودّ أن يتعرف على رصيد إبراهيم بجاوي المدرب الوطني السابق والمدير الفني الوطني للمنتخبات الوطنية والذي يشرف أيضا على تدريب المنتخب الوطني العسكري، وما هي الظروف التي نالت فيها الجزائر أولى ميدالياتها الأولمبية بلوس أنجلس (28 جويلية – 12 أوت 1984)؟
إبراهيم بجاوي: أنتم تذكرونني بذلك الحماس الكبير الذي كان يطبع الملاكمة الجزائرية، مساري كمدرب للمنتخب الوطني بدأ عام 1980، حيث أشرفت على القفازات الجزائرية في أولمبيادات 1984 بلوس أنجلس وبرونزيتي محمد الزاوي وموسى مصطفى، 1988 بسيول، 1992 ببرشلونة و1996 بأطلنطا والذهبية التي افتكها الراحل حسين سلطاني.
بالنسبة للظروف التي حصلنا فيها على برونزيتي الزاوي وموسى، بصراحة لم يكن هناك تحضير كبير في مستوى ذاك الموعد، وأتذكر أني أشرفت بمعية المدرب الراحل الحياني (1981 – 1983) على نخبة من أحسن الملاكمين في تلك المرحلة كبودشيش، موسى، الزاوي، عيبود، كوشان والراحل سعيد عز الدين، على نحو جعلنا نمتلك منتخبا متكاملا بملاكمين متميزين في جميع الأوزان.
وبصراحة لم تكن القرعة في صالح كوشان وغيره من الأبطال، بينما سارت القرعة لمصلحة الزاوي دون الانتقاص من إمكانياته وأحقيته بالبرونزية، بينما موسى كانت له قرعة صعبة ومع ذلك نجح في بلوغ نصف النهائي
لاحقا، تمكنا من تطوير ما أحرزناه في أولمبياد لوس أنجلس عبر ما حققناه مع نور الدين مزيان وذهبية في العاب المتوسط باللاذقية في سبتمبر 1987، ثمّ برونزية محمد بحاري وذهبية الراحل سلطاني في أولمبياد 1996.
رابح هوادف: ماذا عن تتويج حسين سلطاني في ألعاب أطلنطا وما يتردد عن نجاح المرحوم في إفتكاك الذهبية من العدم؟
إبراهيم بجاوي: حقيقة سلطاني كان معروفا بامتلاكه موهبة كبيرة، وهو ما ساعده على الفوز بكل شيئ من بطولات إفريقيا والعرب إلى المتوسط وصولا بذهبية أولمبياد 96 بعد برونزيته في أولمبياد 92 ببرشلونة، وبرونزية أخرى في بطولة العالم بسيدني 1991، وأذكر أنّ المرحوم انتصر بامتياز على جميع منافسيه في وزنه (60 كلغ).
رابح هوادف: ننتقل إلى أحمد دين (مواليد 22 جانفي 1965 ببوهارون) صاحب عديد التتويجات كهاوي وكمحترف في مسيرته الحافلة مع المنتخب الوطني بين 1980 إلى 2004، الجيل الجديد يحب أن يعرف أكثر
عن نوستالجيا أحمد دين؟
أحمد دين: أنا بطل سابق في الملاكمة وزن فوق المتوسط (75 كلغ)، أملك سجلا ثريا في عالم الملاكمة على مدار 24 سنة كاملة (1980 – 2004)، نلت بطولة الجزائر 12 مرة متتالية، كما أحرزت عديد الألقاب الدولية في صنفي الهواة والمحترفين، بداية من نائب بطل العالم للهواة 1985، ربع نهائي في أولمبيادي سيول 1988 (الانهزام أمام المجري زولتان فوزاي) وبرشلونة 1992 (الإقصاء أمام الأمريكي كريس بيرد، بعد تخطي عقبتي الايطالي توماسو روسو والهولندي ريمون جوفال)، إضافة إلى المركز الخامس في بطولة العالم للهواة بأستراليا 1991.
أذكر أني حُرمت في بطولة العالم سنة 1985 أمام منافسي الأمريكي، حيث تحيز الحكام بشكل فاضح ومنحوا الأمريكي الذهبية لأنّه كان ينازل في عقر داره، وحتى لا تحصل الجزائر على المركز الأول حسب الفرق، ولا أنسى تتويجي بالذهب في بطولة العرب بالعراق 1987، والألعاب المغاربية 1992، وألعاب المتوسط في اللاذقية 1987، أثينا 1991 ولونغدوك روسيون بفرنسا 1993.
وكانت الأخيرة محطتي الأخيرة في صنف الهواة قبل انتقالي إلى مصاف المحترفين الذي أمضيت فيه أحد عشر عاما (من 1993 إلى 2004)، أين كانت قناة تي أف 1 الفرنسية هي الراعي الرسمي لمساري كمحترف في فرنسا قبل انتقالي إلى الولايات المتحدة، وأنهيت مشواري بتتويج إفريقي ثمّ آخر عالمي في منازلة بالمدية ضدّ منافس فرانكو-مغربي، قبل أن أعتزل في 2004 بخوضي آخر منازلة في سيدي فرج بالتزامن مع منازلة أخرى لصديقي محمد بن قاسمية.
اللاتكوين واللامتابعة يرهنان القفاز الجزائري
عبد الرحمان نصري: ماذا عن الوضعية الحالية للفن النبيل في الجزائر بعد العودة القوية لملاكمينا منذ ألعاب مرسين المتوسطية 2013؟
أحمد دين: مستوى القفاز الجزائري حاليا مشجع، سيما مع بروز عدد لا بأس به من الملاكمين الشباب الذين باستطاعتهم الدفاع عن الألوان الوطنية في مختلف المحافل والمنافسات الدولية، آخرها تلك النتائج الجيدة التي تحصل عليها ملاكمونا في البطولة الإفريقية للشباب مؤخرا ببوتسوانا، وهي نتاج التحضيرات الجيدة التي قمنا بها على مستوى قطب رياضة النخبة بسطيف، حيث قمنا بالتكفل التام بالرياضيين بتوفير أحسن الظروف الأمر
وهو ما مكننا من حصد ستة ذهبيات كاملة.
المواهب موجودة، وعلينا الاعتناء بها حتى نتمكن من الاستفادة منها، من خلال فتح قاعات رياضية خاصة بالملاكمة وحدها حتى يتسنى للملاكمين تطبيق البرامج التي يضعها مدربوهم بالشكل اللازم والمطلوب، لكن أتأسف لغياب التكوين والعمل القاعدي الذي يعتبر الحل للنهوض بأي رياضة، ويبقى مشكل التنظيم يشكل عائقا في تنمية رياضة الملاكمة، وينبغي توظيف أصحاب الخبرة والاختصاص، كما يجدر رفع الدعم المالي، طالما أنّ فيدرالية الفن النبيل في الجزائر تستفيد من ميزانية ضعيفة مقارنة بالفيدراليات الأخرى.
عوامل متداخلة أفرزت تراجعات 12 سنة
حسين قيصر: تراجعت الملاكمة الجزائرية في الخمسة سنة الأخيرة وتحديدا منذ الألعاب الاولمبية لسيدني 2000، قبل أن تعود ولو باحتشام في السنتين الأخيرتين، فماهي برأيكم أهم الأسباب التي تقف وراء هذا التقهقر للفن النبيل الجزائري؟
إبراهيم بجاوي: من أجل تقييم مستوى أي رياضة يجب العودة إلى الألعاب الاولمبية، والملاكمة الجزائرية تشارك بانتظام في مختلف دورات الألعاب الاولمبية، لكنها غابت عن منصة التتويج في دورات 2004 و2008 و2012، أي منذ برونزية محمد علالو في دورة سيدني 2000.
حسين قيصر: لم تجبني عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تراجع الملاكمة الجزائرية ؟
إبراهيم بجاوي: لم نتمكن من تحقيق تتويجات جديدة، لكن المهم الآن والحمد لله أنّ هناك رئيس جديد لاتحادية الملاكمة فالرئيس السابق عبد الله بسالم الذي بقي 4 عهدات كاملة ذهب وجاء رئيس آخر، وكل ما نتمناه هو أن تتحسن أوضاع الملاكمة الجزائرية مع الرئيس الجديد نبيل سعدي.
وبحكم تواجدي في الملاكمة الجزائرية طوال نصف قرن، باستثناء السنوات العشر التي قضيتها مدربا للمنتخب السعودي بين سنتي 1997 و2007، فلدي تحليل شخصي للأسباب التي جعلت الملاكمة الجزائرية تتراجع، ويأتي في مقدمة تلك الأسباب حسب رأيي هو وفاة التونسي الطيب لحويشي رئيس الاتحادية الإفريقية للملاكمة نهاية تسعينيات القرن الماضي، والذي كان يشغل أيضا منصب رئيس الاتحادية التونسية ونائب رئيس الاتحادية الدولية للملاكمة، فطيلة تواجده في هذه المناصب كانت الجزائر تتحصل على الميداليات في المنافسات الدولية الكبرى للملاكمة وفي مقدمتها الألعاب الاولمبية، وكانت المنتخبات الإفريقية في كل مشاركاتها الأولمبية تخطف ميداليات سواء بملاكمين من الجزائر، تونس، المغرب، نيجيريا، كينيا وغانا، فجميع المنتخبات الإفريقية التي كانت تصل للمنافسات الدولية كانت تحصل على ميداليات إما فضية أو برونزية باستثناء الجزائر التي حصلت على ذهبية في أولمبياد 1996 بفضل الراحل حسين سلطاني.
تراجع الملاكمة الإفريقية انعكس سلبا على الجزائريين
فترة الراحل لحويشي كانت فيها الملاكمة الإفريقية بخير، لأنّ معظم البلدان كانت تنظم دورات سنوية للملاكمة تصل إلى حد 10 دورات وذاك حال الجزائر وتونس والمصر والمغرب، لكن للأسف بعد مغادرة لحويشي والذي خلفه الجزائري بسالم في عديد المناصب، تراجعت الملاكمة الإفريقية كثيرا ولم يعد هناك أي مستوى يذكر، باستثناء ربما دول شمال إفريقيا كالجزائر وتونس والمغرب التي حافظت على قدر قليل من حضورها.
كما أنّ لحويشي لعب أدوارا مهما من خلال مساعدته لملاكمي البلدان الإفريقية الفقيرة من خلال دعوتهم والتكفل بكل نفقاتهم، أما الآن فلو يتم تنظيم دورة افريقية لن يحضرها إلا القليل من الأفارقة لأنهم يعانون من عدم تدعيم هذه الرياضة في بلدانهم، وبالتالي يمكن القول أن تراجع مستوى الملاكمة في إفريقيا أدى بالضرورة إلى تراجع الملاكمة الجزائرية، لأن الملاكم الجزائري لم يعد يجد ملاكمين أصحاب المستوى العالي لتطوير إمكانياته.
رحماني قضى على أكبر قاعة بالعاصمة !
حسين قيصر: ألا توجد أسباب أخرى وراء تراجع الفن النبيل الجزائري؟
إبراهيم بجاوي: بالطبع هناك بعض الأسباب الأخرى التي عملت على عدم تطور ملاكمينا وساهمت في تراجع المستوى ويأتي في مقدمتها نقص المنشآت من خلال عدم بناء حلبات جديدة للملاكمة، كما أن بعض الحلبات الموروثة عن العهد الاستعماري لم تعد صالحة بسبب عدم تجديدها أو تحويلها إلى أمور أخرى مثلما حدث مع حلبة باب الواد المشهورة المعروفة باسم “ألجيريا سبور” التي كانت أكبر حلبة للملاكمة والجمباز بالعاصمة، لكن المحافظ السابق للعاصمة شريف رحماني أقدم على هدمها وحوّلها إلى حديقة في قلب مركب الكيتاني، وباتت تلك الحديقة وكرا لمتعاطي المخدرات.
المصير نفسه طال قاعات أخرى كانت موزعة على بعض الأقبية والتي ورثناها عن العهد الاستعماري. أضف إلى كل ذلك نقص المدربين الأكفاء، فمثلا المدربين الذين تعلمنا على أياديهم والذين هم ملاكمون سابقون، لم تعد تسمح لهم القوانين بالتدريب بداعي “مستواهم الدراسي الضعيف”، وبرأيي فإنّ إنشاء المعهد العالي لتكنولوجيا الرياضة (INFS/STS) كان السبب المباشر في القضاء على معالم الرياضة الجزائرية.
معهد تكنولوجيا الرياضة “كارثة” و(الدخلاء) قضوا على الرياضة
حسين قيصر: كيف ذلك، ففي حدود علمنا أن المعهد العالي لتكنولوجيا الرياضة (INFS/STS) جاء بهدف رفع مستوى الرياضة الجزائرية من خلال تكوينه للمؤطرين في شتى التخصصات الرياضية ؟
إبراهيم بجاوي: أولا أنا كنت في أول دفعة للمعهد بشهادة مستشار في الرياضة تخصص ملاكمة في سنة 1978، لكن الكثير ممن درسوا معنا لم تكن أي علاقة لهم بتاتا بالرياضة، فالمهم أنهم كانوا يحملون شهادة البكالوريا. فقد كان هناك بعض منهم فقط من كان لهم تكوين في رياضة ما، فالبعض قام بدراسة تخصص السباحة، لكن لو يُرمى به في حوض السباحة يغرق. فبعد تخرج أولى الدفعات، وجد هؤلاء أنفسهم يشرفون على التدريب في قاعات الرياضة التابعة للدولة، وبالتالي وجد المكوّنون مثل هؤلاء الذين تدربنا على أياديهم أنفسهم في عالم البطالة، بحجة أنهم لا يملكون شهادات وليس بحوزتهم مستوى دراسي.
بالتالي تحوّل كل شيء إلى السلب، فهؤلاء الدخلاء على الرياضة بشكل عام والملاكمة بشكل خاص، وباتوا يهتمون بأنفسهم وبأناقتهم وأجرتهم ولا تهمهم الرياضة في شيء، فالقاعات التي كانت تفتح على الساعة الثامنة صباحا، أصبحت تفتح ساعة أو ساعتين في الأمسية وبالتالي هُجرت ولم يعد ذلك الاهتمام بتكوين النشء هو الأول في سلم اهتمامات القائمين على قاعات الرياضة. فقبل مجيء خريجي (INFS/STS) كانت القاعات تفتح طوال ساعات النهار للممارسين، لكن في عهدهم باتت لا تفتح إلا أمسية كل يوم ولساعات محدودة جدا.
فزمان عندما كان أبناء كل رياضة والمدربون الحقيقيون هم من يقفون عليها، كان الاهتمام بالمواهب قائما، وكان لا يمر موسم إلا وظهرت عديد المواهب، فالناخب الوطني في أي رياضة، كان يجد نفسه أمام أرمادة من المواهب يختار الأفضل لتمثيل الألوان الوطنية، لكن حاليا إذا حضرت بطولة وطنية، فإنك تعجز عن اختيار أي ملاكم لأن مستوى كل المشاركين رديء جدا.
مستوى القواعد رديئ بعد زوال أعرق المدارس
أحمد دين: من الأسباب التي جعلت الملاكمة تتراجع، هو تضاؤل عدد الدورات الوطنية للملاكمة التي كانت تنظم بشكل دوري، لكن للأسف لم يعد ذلك حاليا متاحا، كما أنّ التكوين لم يعد قائما مثلما كان في السابق بسبب أنّ المدارس العريقة التي كانت تتكفل باستخراج المواهب لم تعد تنشط حاليا، بالإضافة إلى أن النوادي لم تقم بدورها في التكوين أيضا، فعندما نذهب كمدربين للمنتخبات الوطنية لحضور البطولة الوطنية أو كأس الجزائر من أجل البحث عن مواهب بهدف ضمهم للمنتخب، نجد أنفسنا عاجزين كون آن معظم ما نجدهم متألقين هم عناصر المنتخب الوطني، في غياب منافسين أكفاء يقفون في وجوههم، وذاك ما حصل في البطولة الوطنية بعنابة أواخر جوان، كان هناك إفلاس تام ولم نجد من ننتقي.
حسين قيصر: ماهي المدارس العريقة التي كانت تتكفل بصقل المواهب؟
أحمد دين: للأسف، كل المدارس العريقة التي كانت تقوم بتصدير المواهب، إما أنها اندثرت أو تعيش جملة من المشاكل بسبب نقص التمويل والاهتمام بها، فمثلا مدرسة بوفاريك العريقة لم يعد لها وجود، ونفس الأمر بالنسبة لبوسماعيل وبلعباس وعين الترك وجمعية وهران الذي كان معظم ملاكميه في المنتخب الوطني، كما أنّ مدارس الشرق الجزائري كعنابة وقسنطينة اندثرت أيضا.
حسين قيصر: فما هي المدارس التي مازالت تعمل إذن؟
أحمد دين: باستثناء مدرسة سطيف التي أعيد لها الاعتبار قبل سنتين وهي تقوم بعمل رائع بفصل المدرب أوهيب الذي بات هو من يحفظ ماء الوجه من خلال تطعيمه للمنتخبات الوطنية بملاكمين، فإن بقية الأندية هي عاجزة على تكوين ولو ملاكم واحد، رغم وجود عشرات الأندية في كل ولاية. فمن الناحية النظرية هناك رابطة للملاكمة على مستوى كل ولاية، لكن الأندية المنخرطة فيها تبقى مجرد حبر على ورق، لأنّ معظمها لا يشتغل في
الميدان، المطلوب إرادة من الدولة حتى لا تتفاقم خسائر الرياضة الجزائرية، لا بدّ للسياسات أن تتغير عبر تحفيز المكوّنين لأنّ القاعدة هي أساس الانبعاث، وليس الهرم المقلوب منذ زمن ليس بالقصير.
حظوظ ملاكمينا ضئيلة في التتويج بريو
حسام الدين فضيل: ماهي حظوظ ملاكمينا في العودة إلى التتويجات الأولمبية في موعد ريو 2016؟
إبراهيم بجاوي: لا أنتظر الكثير من الملاكمة الجزائرية في أولمبياد ريو، لأنّ نفس الملاكمين شاركوا في دورتي 2008 و2012، ولم يحققوا نتائج على غرار بن شبلة وغيره وعليه أتوقع تكرار الانتكاسة بعد سنتين من الآن.
أربط تكهني بغياب إستراتيجية واضحة من أجل تطوير الملاكمة وتحسين النتائج على المستوى الدولي وفي الاستحقاقات العالمية وبالأخص الألعاب الأولمبية، حيث لم يتم تحضير خلفاء للملاكمين الحاليين وهو ما سيعود بالسلب على نتائج المنتخب، وتبقى الألعاب الأولمبية هي المعيار الحقيقي لاختبار قدرات ملاكمينا على الصعيد العالمي.
تجربة احترافية مميزة لبجاوي في السعودية
عبد الرحمان نصري: ماذا عن تجربتكم كمدرب في المملكة العربية السعودية بين سنتي 1997 و2007؟
إبراهيم بجاوي: خضت تجربة في السعودية، حيث أشرفت على نادي “ضمك” في مدينة أبها، واستمرت 10 سنوات، عملت خلالها على تطوير الملاكمة داخل المملكة التي كانت تستوعب 8 فرق فقط، لتصبح بعد إضفاء لمستي إلى 17 فريقا
شاركت مع المنتخب السعودي في الألعاب الأسيوية عام2007 التي أقيمت في قطر، وأهلّت ملاكمين اثنين إلى الدور الربع النهائي واعتبر الأمر إنجازا تاريخيا آنذاك.
أرمادة هائلة للمنتخب الوطني العسكري
رابح هوادف: السيد إبراهيم بجاوي، ماذا عن المنتخب الوطني العسكري الذي تشرفون عليه منذ سنة 2007 ؟
إبراهيم بجاوي: بعد عودتي من السعودية، أشرفت على المنتخب الوطني العسكري للملاكمة الذي حقق نتائج جيدة بفوزه مرتين في البطولة العربية العسكرية 2007 بالجزائر و2013 بلبنان، كما نلنا فضية وبرونزية في بطولة العالم العسكرية التي أجريت بالبرازيل في جويلية 2012، بالإضافة إلى تصدرنا القارة السمراء في بطولة إفريقيا بكوناكري 2014.
وأحبّ أن أنوّه بإمكانات ملاكمي المنتخب العسكري، على عرار حمزة بوغرارة، فاهم حماشي، هونا بوزيان وغيرهم، ويمكن لهؤلاء وغيرهم التطور أكثر خصوصا مع الإمكانات الضخمة المسخرّة والمشاريع الجاري تجسيدها في مجال الرياضة العسكرية.
قفاز نسوي واعد
رابح هوادف: شهد القفاز النسوي بروزا لافتا لعدد من الملاكمات الصاعدات على منوال شهيرة سلموني، زهرة بوعرور وغيرهنّ، في أي خانة تتموقع الملاكمة النسوية الجزائرية؟
أحمد دين: لا يخفى عليكم أنّ الاتحاد الدولي للملاكمة أجبر كافة الاتحادات الوطنية على إقحام الفتيات كشرط أساس لكل دولة تودّ المشاركة في الدورات الأولمبية، حاليا في الجزائر نملك ملاكمات في 3 فئات (52 كلغ –60 كلغ و75 كلغ)، لدينا 4 وسطيات وكبريات وهنّ يتمتعن بمستوى جيد تحت إشراف الثنائي “خالد حريمة” و”سليمان بنور”، ونثمّن هنا موقف العائلات الجزائرية اللائي صرنّ يشجعنّ البنات على ممارسة الملاكمة، كما شجعت الثانوية الرياضية بالدرارية على نشر ثقافة الفن النبيل لدى الجنس اللطيف.
شريف حامية البطل الأبرز لجيل ما قبل الاستقلال
رابح هوادف: كلام كثير قيل بشأن “خوارق” الملاكمين الجزائريين في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي زمن مارسيل ساردان وبوب عمر، نودّ التأكّد من صدقية ذلك؟
إبراهيم بجاوي: الحقيقة أنّ أساطير كثيرة نُسجت حول أبطال صالوا وجالوا هنا وهناك زمن الاحتلال الفرنسي، لكن السؤال: مع من تنازل هؤلاء وهل تمّ ذلك في منافسات رسمية معترف بها؟ الجواب هو بالنفي.
بالنسبة لي، بطل الجزائر الأوحد في مرحلة ما قبل الاستقلال، هو الراحل شريف حامية (1931 – 1991)، فحامية كان بطل العالم تفوق على كبار الملاكمين في عصره بفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية (33 منازلة، 15 منها بالضربة القاضية)، ما جعله ليس بطلا لتلك الفترة فحسب، بل أحد أحسن الملاكمين في كل الأوقات.
وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، هناك لوصيف حماني الذي بلغ القمة وصار نائب بطل العالم بعد منازلته الشهيرة أمام الأمريكي مارفن هاغلر، إضافة إلى عبد القادر ولد مخلوفي وبطولاته الافريقية الأربع.





