المنظومة التربوية وقطعة الجبن
بأسلوب إبداعي في حل المشكلات بين الأطراف المتنازعة، صنّف المؤلف الأمريكي “سبنسر جونسون” كتابه الموسوم بـ”من حرّك جبنتي؟” والذي يُعتبر من أكثر الكتب مبيعاً في أمريكا حسب “نيويورك تايم”، وهو نموذج لاستراتجية التغيير وإدارة الخلافات.
في خضمّ فصول هذا الكتاب، أوقفتني قصة الشخصيات المجازية الأربعة، فأرين وقزمين، والتي تدور حيثياتها في أنفاق متشعّبة تحت الأرض، حيث كانوا يستيقظون كل صباح ويخرجون في رحلة بحث عن الجبن في هذه المسالك المعقدة، فالفأر الأول يعتمد في عملية بحثه على السرعة وكان كثيراً ما يخطأ، وأحياناً يصطدم بجدران النفق المظلم، ولكنه يصل إلى جبنه، والثاني ذو الأنف الكبير، كانت استراتجيته في عملية البحث هي حاسة الشم، ولا يدخل نفقاً من الأنفاق المظلمة حتى يتأكد من أن هناك جبناً حقاً، ولكنه بطيء جداً.
القزم الأول كان يستعمل التخطيط والتفكير الجيد والمهارات التي تعلمها من خلال عملية البحث الدائم، أما الثاني فكان هو الأخير دائماً حيث أنه يعتمد على ما يجده أصدقاؤه، فأسلوبه في عملية البحث هو مراقبة الآخرين وانتظار الفرصة، وهو كثير الشكوى والتذمر ولوم الظروف، وله جملة يرددها دائماً بصوت عالي: “من حرّك جبنتي؟“، ويفعل ذلك ليغطي عجزه ونقصه بين أصدقائه، والقصة طويلة ومشوّقة لا يسعنا سردها كاملة في هذا المقال.
الشاهد في هذا الطرح والذي يوضح “جونسون” من خلاله أن الناس والمنظّمات ينقسمون إلى أربعة أصناف في عملية البحث عن الحلول، وأسوأ هذه الأشكال هم الذين يبررون إخفاقاتهم بأمور خارج السيطرة لتغطية عجزهم، وهذا ما يحدث هذه الأيام بين وزارة التربية ونقابات التعليم، حيث يعتقد كل طرف أن مطلبه بمثابة “قطعة الجبن” التي لا يجوز التنازل عنها؛ فالمشكلة ليست في تعديل النظام الداخلي لهذه المنظومة أو ملف التقاعد أو السكن أو حتى الأجور التي يطالب بها الأساتذة والمعلمون، بل هي أعمق من ذلك بكثير، إنها في وضع طريقة صحيحة لتسيير قوانين وزارة التربية وتعديلها حسب الحقوق والوجبات، وذلك عندما نكتشف العيب في تسيير أسلوب النظام التعليمي، وما هي نواحي النقص فيه؟ ففي الآونة الأخيرة كثرت الأصوات الشاكية من هذا الأسلوب، وبالتالي تعالت الانتقادات الموجّهة له، والمتهِمة له ليس فقط بالتقصير، بل يكاد يكون هو السبب الرئيس، وذلك إزاء تركيز الأسرة التعليمية على المصالح الخاصة، وهذا ما يبرهن نتيجة وضع الوزارة الوصية الذي أصبح معقداً.
إن إعادة النظر في واقع وزارة التربية ليس متعلقاً بمشاكل التعليم فحسب، بقدر ما هو مرتبط بتعديل الأنماط الصحيحة لتسيير قوانين الوزارة وأساليب تطويرها من جهة، وتلبية مطالب النقابة من جهة أخرى، والذي يعتبرها كل طرف وكأنها قطعة الجبن الخاصة به، فأين كان هؤلاء؟ ألا يلتفتون إلى ما يمليه عليهم واجبُهم المهني لتحسين المنظومة التربوية، ويكفون عن السؤال ما بين الحين والآخر عن من حرّك جبنتهم؟.