المهزلة…
منذ سنوات ست والقادة الفلسطينيون يبحثون في كيفية إعادة وحدة ممزقة، واستعادة مؤسسات مدمرة، وخاضوا من أجل ذلك جولات من الحوار والمفاوضات، والتقوا في مكة والدوحة والقاهرة واسطنبول، وتعاقب على ملفهم مسئولو المخابرات العربية ناصحين ومقترحين، لعلهم يخرجون من الانقسام ويطووا صفحته..
وكلما زفت الأنباء إلى ملايين الفلسطينيين بشرى المصالحة دخلت معاملات على الخط وتصريحات للناطقين الرسميين وغير الرسميين – ما أكثرهم و أقل بركتهم – تلوك كلاما سمجا ثقيلا رديئا عن النية وسوئها والمقاصد وضلالها، ويبدأ العزف على أوتار الريبة فيتبخر ما في الجو من آمال وتلقي الأزمة بكلكلها على صدور شعب ملّ من الساسة وألاعيبهم.. وهو يتعرض في كل مكان في فلسطين ومخيمات سوريا ولبنان للاستهداف.
في هذا المناخ الممرض تصبح كل كلمة او تصريح او مبادرة من اي طرف لا تقبل التفسير إلا على محمل السوء.. وفي هذا السياق جاء التعامل مع قرب انعقاد مؤتمر عدم الانحياز بطهران، حيث تسربت الأخبار بأن هناك دعوة لإسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة لحضور المؤتمر.
هنا ليس من المقصود تحليل الموقف حسب الأعراف الدبلوماسية والتقاليد فقط فذلك شأن رئيس الدبلوماسية الفلسطينية رياض المالكي الذي أسرع بالقول: انه لن نحضر إذا حضر هنية.. وقبل ان يعلن هنية او حماس عن الموقف المنتظر اتخاذه، ناشد سلام فياض هنية بأن يحكم فلسطينيته ولا يذهب الى طهران.
اجل إننا إزاء أحد أعراض الأزمة المستحكمة في القرار الفلسطيني والموقف الفلسطيني.. ولهذا فإن مناقشة الأمر لا بد أن تنهج سبيلا واقعيا مبدعا بعيدا عن قيود الأعراف الدبلوماسية الشكلية والتي يعتبر المساس أحيانا بها مساسا بمصالح أشخاص قبل أن يكون مساسا بمصالح وطن وقضية وشعب ممزق.. فقطاع غزة منذ سنوات عديدة لا يخضع للسلطة، والمجلس التشريعي الذي تتحكم به حماس لم يعد صالحا أو قادرا للاجتماع، الأمر الذي نزع منه صلاحية محاسبة الحكومة او إعطاء ثقة لها.. وفي الضفة أجهزة أمنية وفي القطاع أجهزة أخرى ولا صلة بينهما.. هذا هو واقع الانقسام.
فماذا لو تشكل وفد فلسطيني موسع برئاسة الرئيس وعضوية شخصيات رئيسية من حماس وفتح والجهاد والشعبية، وذهب الجميع برئاسة الرئيس الى مؤتمر عدم الانحياز بطهران، أليس في ذلك مبادرة ايجابية مقتدرة للرد على روح الانقسام وعلى النافخين في ناره.. لاسيما والطرفين المتنازعين قد قررا المصالحة والمحاصصة حسب اتفاقية القاهرة، ولا يقلل احدهما من حضور الآخر في الساحة الفلسطينية.
ان حكومة غزة مقالة، وحكومة رام الله مؤقتة وتصريف أعمال، والمأزق الفلسطيني خطير يهدد القضية الفلسطينية برمتها، والمخطط الصهيوني الأمريكي يقضي بإلقاء غزة إلى المجهول واستيطان الضفة وتهويد المقدسات.
ان المأزق الفلسطيني الداخلي لا يحل بلوائح مرتبة وقوانين مدققة وإنما فقط بروح المحبة والتوافق والتنازل لبعضهم البعض وبطرد روح التفسيخ من أوساطهم.. فمتى تنتهي هذه المهزلة؟