الموالاة في هجوم معاكس لصدّ المعارضة
شرع حزب جبهة التحرير الوطني في ترسيم ما سماه بـ”المبادرة السياسية الوطنية من أجل التقدم والتلاحم والاستقرار”، حيث رفع نهاية الأسبوع، دعوات الانخراط مرفوقة باللائحة التي توضح مسعى الفكرة، والتي ترمي إلى بناء “جبهة وطنية قوية ومتماسكة لدعم برنامج الرئيس، بهدف الحفاظ على المكتسبات، ولتكون صمام الأمان في مواجهة الأزمات والمخاطر الداخلية والخارجية”.
لكنّ المبادرة المعلنة من طرف “الحزب العتيد” تثير العديد من الاستفهامات حول خلفياتها الآنية ومراميها البعيدة، بالنظر لما واجهته داخل جبهة الموالين للرئيس نفسه، فضلا عن توقيتها ومعالمها الأولية، ذلك أن الغريم اللدود، التجمع الوطني الديمقراطي، بدا متحفّظا منذ الوهلة الأولى لإعلان الأمين العام للأفلان عمّار سعداني عن تأسيس “جبهة وطنية“، كبديل عن دعوة أحمد أويحيى لإطلاق نسخة ثانية للتحالف الرئاسي، لتذهب قراءات البعض نحو مؤشرات الزعامة والتنافس بين واجهات السلطة في تقديم عرابين الولاء.
غير أنّ التأمل في ملامح المبادرة الأفلانية، مع وضعها في سياق التحوّلات التي عرفتها الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، يوحي لدى مراقبين بما هو أبعد من المنافسة الحزبية بين شريكي الحكم، لا سيما أنّ المبادرة تتداخل مع خطاب “الدولة المدنية” الذي يلازم سعداني حيثما حلّ وارتحل، مثلما تتزامن مع حديثه عن نهاية مرشّح “الإجماع الوطني“، إذ شدّد قبل خمسة أيام فقط، على أن الأفلان سيخوض رئاسيات 2019 بمرشحه الخاصّ.
هذا يعني أن الأفلان قد بدأ في تجهيز عربات القاطرة التي يخطّط لجرّها في أي اتجاه يرسمه الفاعلون في المرادية بشأن المرحلة القادمة، من خلال تشكيل قاعدة سياسية واجتماعية واسعة، لاستخلاف التحالف المتآكل على وقع “فكّ الارتباط” من طرف الإسلاميين، وإفرازات “ما بعد توفيق“.
وبالتالي، فإن “الجهاز” يرمي عن طريق “المبادرة الوطنية” لصدّ المعارضة باكرا، والتقليل من تأثيرها في توجيه المشهد العام، وهي التي عادت بصورة معتبرة في مسار العهدة الرابعة، بل سرقت الأضواء صيف 2014 بلقاء مازفران التاريخي، قبل أن تترجّل في منتصف الطريق، بفعل عجزها عن تحريك الشارع، فضلا عن القرارات “المفاجئة” التي أقبل عليها رئيس الجمهورية.
هذا المعطى يدركه الأفلان جيدا، ويسعى إلى استغلاله “سياسيا ونفسيا” في شنّ هجوم معاكس على تكتّل المعارضة، لبناء “جبهة موازية” على الأقلّ، إذا لم ينجح في شقّ صفوفها الداخلية وإرباك خياراتها المستقبلية، فمناوئو الرئيس قبل وبعد عزل اللواء توفيق عن رأس المخابرات ليسوا سواء، وليس مستبعدا برأي متابعين أن تتغيّر حيثيات الخارطة السياسية قريبا، على خلفية تدوير بوصلة “الولاء والبراء“.
لذلك جاءت المبادرة مفتوحة لجميع الحساسيات على اختلاف مواقعها وأشكالها، بين المعارضة والموالاة، وبين الأحزاب والفعاليات المجتمعية، بل وحتى الأفراد الذين يمثّلون واجهات لا تملك حقّ النشاط (غير معتمدة)، وإذا كان مفهوما من خلال الفئة الثالثة، استهداف التشكيلات قيد التأسيس، فلا شيء يمنع من كون قيادات “الفيس” التاريخية معنية أيضا بمبادرة سعداني، لاسيما بعدما نجحت “تنسيقية الانتقال الديمقراطي” في استقطاب أبرز وجوهها.
لاشكّ أنّ الأفلان، ومن خلال علاقته اليوم برجالات الحكم، سيتمكّن من جمع أحزاب وهيئات وشخصيات حول هذه المبادرة، لكن يبقى الرهان العسير في إقناع “الأوزان الثقيلة” ذات المصداقية، مع أنّ الأمر نسبي في كلّ الأحوال، في وقت لا يزال موقف “ذوي القربى” غامضا، فالأرندي يتمسّك بفكرة “أحزاب الرئيس“، بينما يلتزم عمارة بن يونس الصمت حتى الآن، قد يكون هواه أقرب لأحمد أويحيى لاعتبارات أيديولوجية، لكنّ موقعه خارج الحكومة، ربّما يفرض عليه التشبّث بخيط من الأمل، صار في قبضة سعداني إلى إشعار آخر.