الموصل.. والمؤامرة
بحجة الحرب على داعش يُصار الآن الإعداد لهجوم من كل صوب على مدينة الموصل عاصمة الحضارة الاسلامية الخاصة والتي تضم ملايينها الاربعة وقد لقنت العدو الامريكي دروسا في المقارعة حيث كان تدميرها احد الاهداف الاستراتيجية للحملة الصليبية المعاصرة على العراق..
قبل ايام قليلة شنت الطائرات الامريكية غارات على الموصل لقصف مواقع داعش، فكان نصيب جامعة الموصل القسط الاكبر من الصواريخ والقنابل فدمّرت اجزاء من الجامعة لاسيما قسم الهندسة واستشهد علماء افاضل كبار في تخصصات علمية نادرة.. وقُتل عددٌ كبير من الموظفين والطلبة.. وهكذا تتضح المهمة المناطة بالقوات الامريكية في المنطقة، فلقد سبق ان اطلقت قوات الاحتلال الامريكي العنان لحلفائها من الاسرائيليين والطائفيين ليقتلوا كل من يتوصلون الى عنوانه من علماء وخبراء عراقيين حيث تجاوز عدد من تم اغتياله الآلاف.. انه تدمير امكانات الامة في النهضة، وتدمير محاولاتنا في التعلُّم واكتساب الخبرات.
حول الموصل تحتشد كل الذئاب: مليشياتٌ طائفية، وجيش فاسد، ورايات متخلّفة مناطقية، وفي الموصل تنتشر قوات داعش ومن والاها تمثل المبرر الموضوعي لقيام الحلف الامريكي باستهداف المدينة العراقية الاهم التي تمثل عصب الجغرافيا الموحِّدة للإقليم بين العراق والشام وتركيا.
رفضت امريكا ان يحسم الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي المعركة.. وبعد ان ارتكبت المليشيات الطائفية جرائمها في تكريت وصلاح الدين وخرَّب الجيش العراقي الانبار والفلوجة بعد ان منع على المليشيات المشاركة في الهجوم فشُرِّد السكان ورُوِّعوا وكأن الامر مقصود تماما لافراغ المنطقة من اهلها.. وقفت امريكا عند حدود الموصل ترفض مشاركة المليشيات في الهجوم، كما انها ترفض استراتيجية الجيش العراقي ببسط سلطته على المنطقة، وذلك ليس دفاعا عن المنطقة، انما لأن الادارة الامريكية اتخذت قرارا بتقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم اساسية: اقليم الاكراد، والاقليم السني، والاقليم الشيعي، وعلى هذا فلن تعطى اية جهة فرصة لتسيطر على العراق، وهذا هدفٌ من اهداف الحملة الصليبية على العراق.
الموصل بملايينها الاربعة تواجه اليوم الفرقاء المتناقضين والمشتتين كصيد ثمين، الكل يحاول ان ياخذ منه نصيبا اوفر، فإلى أي مدى تتحرك الاستراتيجية الامريكية بتشغيل الاطراف جميعا في المشهد الدموي في الموصل وحولها؟ وإلى أيّ مدى سيُشارك الجيش العراقي في مذبحة الموصل كما شارك من قبل في مذبحة الفلوجة والانبار تكريت وسواهم؟
صحيحٌ أنّ معضلة الموصل جزءٌ من القضية العراقية كلها، ولكن يبدو انها تمثِّل العقبة الكأداء امام الارادة الامريكية؛ إذ اصبح من العجز عند الامريكان التصوّر بأن هناك عراقا يكسر ويهشّم الموصل بلا رحمة.. فالموصل هي من يعيد للعراق توازنه ويمنحه صفة البُعد الانساني، ولهذا ينتبه كل المتورّطين في الازمة العراقية الى ضرورة القضاء على احتمال سلامة الموصل وبقائه في منأى عن الحروب المهزلة.
لم يولد الجيش العراقي، آخر طبعة، ولادة طبيعية، بل في اروقة القوات الامريكية، وليس من مبرر لميلاد مليشياتٍ بلون مذهبي معيَّن، ومن هنا تأتي المهمّة التي ترفع رايات دم عثمان فيما هي عينها على المدينة الحضارية التاريخية، ولكن علمتنا الاحداث ان لا احد يستطيع ان يغير سنن الله في الحياة.. تولانا الله برحمته.