المُتمسّكون بالرئيس!
في الوقت الذي كان فيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يصارع المرض منتقلا على وجه السرعة إلى مستشفى فال دوغراس العسكري في باريس لاستكمال ما قالت وكالة الأنباء الرسمية إنها فحوصات طبية ضرورية وعادية، كان السيد عبد الرحمن بلعياط وهو واحد من ديناصورات الأفلان الذي تسلّم مهمة التنسيق داخل الحزب العتيد بسبب افتقاد هذا الأخير لرأس منذ ثلاثة أشهر يقول ويردد على مسامع الجميع أن دستور بوتفليقة هو الأنسب للجزائر والجزائريين!
في الوقت ذاته كان وجه بارز آخر في مرحلة بوتفليقة، وهو الوزير السابق والمثير للجدل جمال ولد عباس يقول للصحفيين أيضا إنه لا يمكن المُضيّ في تعديل الدستور ومشروع الإصلاحات، والأفلان بدون أمين عام وأيضا بدون رئيس شرفي في إشارة للقاضي الأول في البلاد!
عدد كبير من هؤلاء الذين صنعتهم مرحلة بوتفليقة لا يريدون التخلي عنه، ليس بسبب إنسانيتهم المفرطة، والتي لم نر دلائل عليها في تعاملهم مع الشعب، لكن لأن هؤلاء بدون الرئيس عراة في شارع مزدحم!
لم تنجح الدولة الوطنية حتى الآن في صناعة نخبٍ ولا أحزاب أو حتى طبقة سياسية بإمكانها أن تستمر رغم جميع الظروف الصعبة التي يمكن أن تحدث بحكم القضاء والقدر أو بحكم التخطيط والمؤامرات الداخلية والدسائس المريبة!
حتى الرئيس بوتفليقة نفسه خاطب الشعب أكثر من مرة ليقول إنه ليس في الإمكان الحكم أكثر ممّا كان، مشيرا أنه لا يزال محكوما، وهو الرئيس، بلعبة التوازنات داخل هذا النظام، ولعلها ذات التوازنات التي فرضت صيغة جديدة للعهدة الرابعة انتهت من بالون اختبار في شكل “أسطورة إعلامية كبيرة” وشعار رنان يبحث عن استغلاله عدد لا يستهان به من الانتهازيين إلى فكرة ميتة أو جنين مشوّه بحكم الوضع الصحي للرئيس!
في الوقت الذي كان يتم فيه نقل بوتفليقة إلى فال دوغراس، كان الجميع هنا في الجزائر، يدفن جميع مخططات العهدة الرابعة، والواقع أننا لا نستطيع محاكمة الرئيس على نواياه التي لا يعرفها إلا الله، طالما أنه لم يبح بها رسميا للشعب أو ربما لم يبعث بتلك الرسالة على لسان من عهدنا منهم نقل نواياه إلى الشعب والأوساط الدولية، وكان واضحا أن الرئيس الذي وعد بإصلاحات هادئة بعيدا عن فتنة الربيع العربي، بكل ما يمكن أن يخلّفه هذا الأخير من تدمير للذات، نتيجة استفحال الظلم وانتشار الطغيان، يدرك تماما أن الانصياع لنداءات العهدة الرابعة تصب في اتجاه واحد، وهو تأزيم الوضع أكثر مما هو عليه، ونسف جميع الإصلاحات التي لا يمكن أن تبنى على شخص واحد أو نظام برؤية ضيقة، بل تحتاج إلى إنعاش مستمر، وهواء جديد!
لن يرتاح الجزائريون من لعبة التوازنات داخل النظام، والواقع أن من يطلب أو يتمنى أو حتى يخطط لإنهاء تلك الحالة التي تسمى بحرب بين أجنحة السلطة وزمر النظام المختلفة، يدرك قبل غيره، أن النظام لا يمكنه الاستمرار دون تلك اللعبة، وبأن جميع ساكني قصر المرادية مطالبون بتعلّم واحترام قواعدها وربما أيضا بالتعايش معها، والنظام هنا لا يختلف عن غيره، بما في ذلك الأنظمة المتشبّعة بالديمقراطية والحريات الفردية والجماعية على مر التاريخ. لكن الفرق بيننا وبينهم، أن لعبة التوازنات وتصارع أجنحة السلطة، لم يخلّف لنا في الجزائر سوى مزيدا من التصفيات السياسية والجسدية، أو قتل معنوي للشعب، مع استئثار فئة محدودة بثروات هذا الوطن، في الوقت الذي بات فيه الشعب مقتنعا أن الجزائر التي كان يحلم بها الشهداء ليست بصحة جيدة بعد خمسين عاما من الاستقلال، وأن الوقت ما يزال مبكرا للحديث عن تغيير ديمقراطي سليم وصحيح حتى لا نقول تغييرا مثاليا.