الرأي

النازلات الماحقات!

عملية التوقيع على التنازل عن الحقوق المادية لنشيد قسما لصالح الدولة الجزائرية، بعد أكثر من ستين سنة، من تحوله إلى النشيد الرسمي للبلاد، حدث فيه ما يجعلنا مجبرين على إعادة صياغة المرادف الحقيقي أو الشرح الصحيح لكلمة وطنية، وحتى لمفردات الحب والوفاء والإخلاص، ففي الوقت الذي سافرت فيه عائلة الفنان المصري الكبير الراحل محمد فوزي من القاهرة إلى الجزائر، وقدمت اللحن هدية للدولة الجزائرية، أبى ورثة الشاعر الراحل الذي توفي في تونس مفدي زكريا، سوى اشتراط مبلغ مالي نظير التنازل عن النشيد، مع الإشارة إلى أن من ضمن الورثة وزير سابق منحته الدولة الجزائرية في زمن سابق، حقيبة وزارية ليس بسبب كفاءته أولا، وإنما لأنه نجل مفجّر ديوان اللهب المقدس الذي ضمّ نشيد قسما.

لست أدري، ونحن نصدمكم بهذا الخبر، كيف سيكون ردّ فعلكم، خاصة إذا علمتم أن المبلغ المشروط من أجل التنازل، بلغ مليارا ونصف مليار سنتيم على وزن – موسيقي طبعا – مليون ونصف مليون شهيد، ولست أدري كيف سيكون ردّ فعل عائلة الفنان محمد فوزي، التي أنجبت هذا الممثل والملحن والمغني الكبير، وأنجبت شقيقته الراحلة هدى سلطان، إذا علِمت بهذه الفاجعة، التي ألمّت ببلادنا، فجعلت الوطنية أخذ من دون عطاء، وكانت عطاء من دون أخذ.

الحكاية لا تختلف عن المهزلة” التي قامت بها اتحادية كرة القدم مؤخرا عندما راحت تضع حاجزا بين جزائريي الداخل والخارج، وترى نفسها والمحيطين من حولها أكثر وطنية ووفاء للبلاد، من الذين يعيشون في الخارج، وتتهمهم بحب المال، وكلنا نعلم أن أعضاء هذه الاتحادية قدموا لهذه الإمبراطورية، لأنها كانت متخمة بما لا يقل عن ثماني مئة مليار سنيتم، ولأنها تمنح أجورا لا يحلم بها الأطباء والوزراء في الجزائر.

أذكر أنه في ثمانينات القرن الماضي، قام وزير سابق، بإقالة أحد مديري قطاعه لأنه تخلف عن زيارة مقبرة الشهداء والوقوف للعلم الوطني، ورغم أن هذا المدير قدّم عذره الصحي، وهو من الكفاءات النادرة في البلاد إلا أن مصيره كان الشارع بأمر من معالي الوزير الذي قال بالحرف الواحد إنه “لا يلعب في الوطنية”، وبمجرد أن سحبت منه الحقيبة حتى طار إلى فرنسا وعاش هناك، حيث لا نشيد سوى “لامارساييز”.

وأذكر أن نجل مفدي زكريا الوزير السابق الذي قاد عملية اشتراط مبلغ المليار ونصف مليار سنتيم، كان قد أثنى مرّة على إقرار الوقوف الإجباري للعلم الوطني، والاستماع لنشيد قسما، الذي خطّه والده، وقال حينها ما أثلج صدورنا: “الآن أشعر بأن أبي لم يمت، وبأن قسما كتِبت لتبقى خالدة”.

سيكون صعبا علينا هضم الحادثة لأن الشاعر مفدي زكريا، هو من خطّ قسما، ونحن طلاب الجزائر، ويا شهيد الوطن، وختم روائعه بإلياذة “جزائر يا مطلع المعجزات”، قبل أن يزلزلنا هذا القصف، الذي كان أشدّ وقعا من النازلات الماحقات.

مقالات ذات صلة