الرأي

الناسك في صومعة الاستعلاء

عبد الرزاق قسوم
  • 932
  • 0

ما حقيقة هذا القادم الجديد، المطلّ على العالم من نافذة البيت الأبيض؟ ما شأن هذا الناسك، المالك لنادي القمار، والمتأبط لإنجيل القسيس المختار، والمعادي للمقاومين الفلسطينيين الأحرار؟

لقد احتار العالم، في أمر الرئيس الأمريكي هذا، الخاشع المتبتل بين عرصات الكنيسة، والداعم بالسلاح والنفوذ للقيادة الصهيونية الخسيسة.

إننا نرثى لهذا القادم الجديد إلى البيت الأبيض، الذي تلهب مشاعره نيران جحيم لوس أنجلس، وتقض مضاجعه مأساة غزة الفلسطينية، التي تحوّلت إلى رماد بسبب ما زرعه فيها أبالسة الجن والإنس.

لئن تفاءلنا خيرا، ببصمة آثاره في إجبار الصهاينة على إيقاف العدوان، فإننا نعجب للتلويح بمزيد من الدعم للتوسُّع الصهيوني المحتل، في أرض جنين، بعدما منحهم في عهدته السابقة دعما بنقل عاصمتهم المزعومة إلى القدس السجين.

واليوم، وقعقعة السلاح إلى إدبار، وأبناء فلسطين في غزة يحتفلون بالانتصار، آن الأوان لكل ذي عقل وضمير، ومن يسكن وعيهم إعمار غزة، ومواصلة مسيرة التحرير، أن يستعدُّوا لمعركة البناء والتعمير، والقضاء إلى الأبد على أحفاد القردة والخنازير.

بعد الملحمة التاريخية، التي خاضتها غزة، والتي حاول الصهاينة فيها هزيمة “حماس”، فهزمتهم، وأرادوا إسقاط غزة، فأسقتطهم، علينا أن نتصدى للمزيد من الألغام السياسية، بعد فشل الألغام العسكرية.

إن أمّتنا تمتحن اليوم في ضوء هذه التحدّيات، في إرادتها، وقيادتها، وسيادتها، لاستعادة عزتها وسيادتها.

شهد العالم المنصف بعد معركة غزة، أن كيان إسرائيل –اليوم- يعيش على حافة الانهيار والتدحرج، ومن شاء أن يزداد إيمانه، ويرتفع شأنه، ويعلو إيوانه، عليه أن ينظر إلى الواقع المتردي الذي تعيشه إسرائيل.

إضافة إلى التأزم الاقتصادي، والتشرذم الاجتماعي، والتآكل السياسي، والإحباط النفسي والعسكري، ها هي محنة الكيان تزداد سقوطا وتدهورا على مستوى العالم، يحيط بها الخطر من كل جانب، وتطوقها اللعنات من الأجانب والأقارب.

وداعا –إذن- للغطرسة الصهيونية، والعربدة الإسرائيلية، التي زرعت الشوك، وها هي تجني الجراح، وعبثت بالأبرياء في البطاح، فنالها نتيجة ذلك الانكسار والانبطاح.

ومن آيات الله، في معركة غزة، المعادلة الإنسانية، التي أظهرها الله في عملية تبادل الأسرى والمحتجزين.

لقد أظهر الله على أيدي مجاهدي “القسّام” كل مظاهر العزة والاعتصام، من حسن المظهر، وأناقة المخبر، وسعادة الجوهر، لدى المحررات الإسرائيليات، وقد ظهرت على ملامحهن علامات السرور، وسحنة الطمأنينة والحبور، وحسن العلاقة مع جنود الحراسة والعبور.

إن مشهد تحرير الرهينات قد أسقط أطروحة الأكاذيب الصهيونية والمؤامرات، من الزعم بالقضاء على “حماس”، وإظهار المحتجزين بمظهر الخارجين من الأرماس.

وبالمقابل، خرج المعتقلون والمعتقلات الفلسطينيون من سجون الأعداء، منهوكي القوى، شاحبي السحنة، عديمي القدرة على المشي، وعلى الاستواء، لقد وُلد المحررون من سجون الأعداء من جديد، فخرجوا وكأنما يدعّون إلى فضاء الحياة، خائري القوى، وقد بدت على أجسامهم آثار التعذيب، وعلى نفسياتهم، عواقب التخويف والترهيب.

ولعاقل أن يقوم بعملية مقارنة بين المعتقلين في سجون الأعداء، وبين المحتجزين في معتقلات الشرفاء.

وبالرغم من الإمكانات التي يتوفر عليها الصهاينة الأوغاد، كانت سجونهم بؤرا لكل أنواع الإهانات والأحقاد، دائسين على أبسط حقوق العباد، وغير عابئين بأقل متطلبات البلاد.

بالمقابل، خرج المعتقلون والمعتقلات الفلسطينيون من سجون الأعداء، منهوكي القوى، شاحبي السحنة، عديمي القدرة على المشي، وعلى الاستواء، لقد وُلد المحررون من سجون الأعداء من جديد، فخرجوا وكأنما يُدعّون إلى فضاء الحياة، خائري القوى، وقد بدت على أجسامهم آثار التعذيب، وعلى نفسياتهم، عواقب التخويف والترهيب.

ولعاقل أن يقوم بعملية مقارنة بين المعتقلين في سجون الأعداء، وبين المحتجزين في معتقلات الشرفاء.

في حين أن المقاومة الفلسطينية، التي أمعن العدو في ضرب الحصار عليها، وحرمانها من أقلّ ما يجب أن يتوفر لديها، خرجت السجينات الصهيونيات، طليقات المحيا، ضاحكات، مستبشرات، وكأنهن لا يرغبن في مغادرة المعتقل، وسبحان مغير الأحوال، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾[سورة الروم، الآية 19].

وبعد، فقد قال كل فريق كلمته، بالبرهان والدليل، وبان الصبح لكل ذي بصر كليل، وبقي أن يستخلص العقلاء منَّا الدروس، والعبر، من كل الوقائع والصور.

إن الحشد الحقيقي لأمتنا يبدأ من الآن، فتستمرُّ الشعوب العربية والإسلامية في مضاعفة الدعم، المادي والمعنوي، ورفع التحدي، بإنجاح الإعمار، وحسن التصدي، فنعيد تفعيل المقاطعة، كعامل من عوامل النصرة.

كما أننا يجب أن نعمل على تضميد الجراح، لدى الثكالى، واليتامى، والأرامل.

لقد نجحنا في تجاوز كلفة الحرب، وتفادي الاستسلام، بالرغم من شدة الضرب، والهدم، وسيسجل التاريخ أن عصر ما قبل “القسام” وما بعده، يمثل عصرين مختلفين، فأجيال ما بعد عصر “القسام”، ستعيد كتابة التاريخ الإنساني، بحبر أحمر تشهد عليه السطور.

كما سيشبّ جيل “طوفان الأقصى” قوي الإرادات، فولاذي العزمات.

لا نريده أن ينسى، فقد عانى من مصائب الاحتلال في الصبح والمساء، وذاق كل ويلات الحرب، وما تحمله من الحزن والأسى.

وليذكر الجميع أن الجحيم الذي سلّطه السلاح الأمريكي على المظلومين من أبناء غزة وبناتها، قد أشعله الله في كاليفورنيا، فجعل سكانها بعد القصور والدثور، يلتحفون العراء، ويسكنون القبور، ولا يظلم ربّك أحدا.

وإلى شهداء الملحمة الفلسطينية من جميع الأعمار، نقول: ناموا هانئين مطمئنين، فقد أخذنا بثأركم، وتشبَّثنا بوعدكم ونصركم، وستعود غزة العزة، عروس المقاومين، ورمز المستضعَفين المنتصرين، وهازمة المعتدين المتغطرسين، وهذه هي سنة الله، أيام لنا، ويوم علينا، ولن نجد لسنة الله تبديلا.

مقالات ذات صلة