الرأي

النجاح والفشل.. أي دلالة؟

عمار يزلي
  • 379
  • 0

يقاس مقياس الخسارة والربح، ليس عبر محطة واحدة أو حتى ثلاث أو أكثر، تعرّض فيها الإنسان لامتحان الحياة والتاريخ، فالحياة محطات وسيرورة تبدأ من المهد ولا تنتهي حتى مع اللحد.

محطة البكالوريا وقبلها محطات أخرى انتقالية تصاعدية، ليست نهاية المطاف ولا آخر محطة، ولا حتى معيارا لقياس الربح والخسارة في حياة إنسان عمرها المادي يتجاوز مائة سنة، ولا نهاية لها في عمر إنسان ما بعد الانتقال إلى العالم الآخر. لهذا، فالحديث عن الفوز بالبكالوريا أو خسارتها، سابق لأوانه وغير سليم من ناحية التصديق على فعل الربح والخسارة: اجتياز هذه العتبة، هو مجرد محطة عبور باتجاه مرحلة، ينبغي ألا يعتقد الجميع أنها ضرورية، من أجل ربح مستقبلي أو حاضر. ليس كل طالب أو تلميذ، مطلوبا منه أن يدخل الجامعة ويتخرج بليسانس أو ماستر أو دكتوراه: هذا نجاح لفئة، لكن يجب ألا يُفهم على أنه السبيل الوحيد للنجاح وقياس الربح والفوز في الحياة، فكم من حالة علمتنا أن النجاح في الحياة لا يكون دائما عبر الدراسات العليا والشهادات الجامعية الكبرى، بل عبر مسار دراسي قصير حقق للبعض نجاحا لم يحققه المتخرّج الجامعي. يحصل هذا بشكل دائم ومتواصل في كل دول العالم، أن يدخل نخبة الجامعة، الأكثر تأهيلا علميا من أجل التكوّن والتخرّج لقيادة الأعمال والعلم والبحث والاختراع والاكتشاف والتطبيب والتعدين والتقنين، ولكن هذا ليس وحده مسار نجاح أوحد للجميع، فليس للكل وللجميع المؤهّلات نفسها وروح الإبداع العملي والتقني والفكري ذاته؛ الطبيب في حاجة إلى مساعد وإلى ممرض والمهندس في حاجة إلى تقني وعامل وكهربائي ومرصِّص وبنَّاء وتقني سام وتقني بسيط وعامل بسيط وفلاح مهني، وهذه المهن لها شروط تكوين تبدأ من مرحلة المتوسط، إذ يتعين على نسبة معينة من التلامذة أن توجه نحو مراكز تكوين تقنية، كما أنه قبل المرحلة المتوسطة للراسبين في نهاية مرحلة الابتدائي أن يوجَّهوا نحو تكوين حرفيين وعمال في كل القطاعات. كما أنه ليس كل خاسر للباكالوريا فاشلا، بل قد يجد نجاحه في غير المسار الجامعي.

في كل دول العالم، التكوين عبارة عن قطار، كلما سار وتوقف في محطة، أنزل نسبة من الركاب ليبحثوا لهم عن وسيلة نقل أخرى توصلهم إلى مبتغاهم، وقد تصعد نسبة ممن فاتهم القطار السابق، إلى القطار ذاته، إصرارا منهم ورغبة ومحبة في الوصول إلى مبتغى يصرون عليه، فالنجاح يكمن وراءه الإصرار والعمل والتفاني.

هذا، إذا قسنا النجاح والفشل والفوز والخسارة بمقياس المادة الدنيوية، فما بالك إذا قسنا ذلك بمقدار ما يؤديه الإنسان من عمل مهما كانت طبيعته ودرجته في تحقيق غاية الإنسان، الفوز الأكبر والنجاح الأمثل هو ما ينتج عنه من عمل مفيد ونافع للإنسان، فأخيركُم أنفعكم للناس.

المجتمع، بناء، والبناء يشدّ بعضه بعضا، ولكل فرد وعنصر ضمن هذه البنية الاجتماعية، عائلة، ودولة، وأمة، وإنسانية، له وظيفة يؤديها ضمن هذا النسق البنيوي، بما يحقق غاية الفرد ونجاحه الشخصي، ولكن أيضا بما يحققه من غايات أسمى وأرفع، عبر الإسهام في خدمة الصالح العامّ وتحقيق غايات المجتمع من أجل الاستقرار والنمو والازدهار، وضمان حياة كريمة لكل فرد من أفراد هذا النسق البنيوي الاجتماعي الاقتصادي.

النجاح، هو نجاح الفرد الشخصي في تحقيق غاية أو أن يكون وسيلة، وصلة بين الآخرين، من أجل إنجاز عمل عبر وظيفة أو ممارسة أو فعل مهني تكويني أو اجتماعي نافع منتج، وصانع للحياة.

مقالات ذات صلة