الرأي

النصب على التاريخ في خمسينية الاستقلال

حبيب راشدين
  • 7145
  • 12

عندما تحتفل الصفوة بالألعاب النارية في الذكرى الخمسين لاستقلال شعب عزيز مقاوم، استبعد عن مراسيم الاحتفال، فلا بد من تذكير الصفوة أن العبث بمصير الدولة واستقرارها وأمنها يبدأ بالعبث بتاريخ شعبها، حين يترك للمستعمر القديم كتابة التاريخ بالنصب والاحتيال، فيما ينصب أحد الولاة على التاريخ بتشييد نصب للذكرى في الربع ساعة الأخير.

ثمة أسئلة تؤرقني منذ الخميس الماضي بعد أن تابعت فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين لاستقلال الشعب الجزائري، المنتصر على رابع قوة في العالم مدعومة بحلف النيتو: كيف كنا سنحتفل بهذه الذكرى العظيمة، لو لم يستنفر الرئيس والحكومة قبل عام من الآن همم مؤسسات الدولة، وترصد الدولة ميزانية ضخمة للمناسبة، لم نر منها سوى تلك الألعاب النارية التي اختص بها سكان سيدي فرج وبعض الصفوة من الحكام؟ وأين نصيب الشعب من هذا الاحتفال، وكأننا عدنا بالذاكرة إلى احتفالات الصفوة من المعمرين بالذكرى المئوية للاحتلال، يتابعها عن بعد شعب الإنديجيان؟

منذ أكثر من عشر سنوات أقيم بقرية صغيرة من قرى ضاحية مدينة مستغانم، لم أر فيها من مظاهر الاحتفال بالذكرى الخمسين كما في الذكرى التاسعة والأربعين وما قبلها، سوى بعض الأعلام تعلق على عجل ساعات قبل الموعد، أما في مقر الولاية فقد انتظر الوالي الأسبوع الأخير لبناء نصب تذكاري من الرخام أمام مقر البلدية، كان إلى غاية الساعة العاشرة من يوم الأربعاء في طور الإنشاء، ولا أعلم حقيقة هل انتهى منه البناءون قبل صبيحة الخميس أم لا، وهل دعي الأندجان من سكان مستغانم للمشاركة في الاحتفال، أم كان حظهم مثل حظ بقية الأنديجان من الشعب الذي تحتفل الصفوة بالوكالة عنه كل عام؟

“شعب مقاوم غيور على حريته، قاتل   في الثلاثة آلاف سنة الماضية أربع إمبراطوريات عالميةووحد مرتين شعوب شمال إفريقيا”

.

قاهر أربع إمبراطوريات عالمية

في الخامس من جويلية من هذا العام، كان يفترض منا إحياء ذكرى مرور نصف قرن على نهاية الحقبة الاستعمارية المقيتة، وعودة الدولة الجزائرية للوجود كدولة مستقلة ذات سيادة، على صلة بتاريخ حافل بالمعالم الشريفة ممتد لآلاف السنين، كان فيه أهل هذه الأرض على قدر من التميز، شعب مقاوم غيور على حريته، قاتل في الثلاثة آلاف سنة الماضية أربع إمبراطوريات عالمية: الرومانية، والوندالية، والإمبراطورية الرومانية الشرقية، وجيوش فرنسا، الخارجة لتوها من حملات نابليون التي أخضعت أوروبا بالكامل، ولم يمنحها عشرية واحدة من الراحة والاطمئنان، في سلسة متواصلة الحلقات من أعمال المقاومة المتعددة الأشكال، حتى ألزمته ثورة التحرير التعجيل بقرار الرحيل.

الاحتفال باستعادة الدولة الجزائرية المستقلة لا ينبغي أن يتوقف بنا عند مظاهر المقاومة، التي أصبحت سمة مميزة للشعب الجزائري، وصهرت ذاكرته الجمعية، بل نحن بحاجة إلى ربط الصلة مع جانب مشرق من هذا التاريخ، كنا فيه صناع حضارة، وبناة دول بحجم الإمبراطوريات، فقد كانت مملكة مسينيسا تشع على ثلاثة أرباع ما أصبح يسمى اليوم بالمغرب العربي، تتعامل معها روما العظيمة بقدر من الندية، وقد عبث يوغرطة من بعده بنبلاء روما وأعضاء مجلس الشيوخ فيها، واشترى ذمم نصف أعضائه.

ولأن هذا الشعب قد عجن من طينة الأحرار الأمازيغ، فإنه ما أن اختبر سيرة الفاتحين العرب والتزامهم بقيم الدين الحنيف، حتى دخل في الإسلام من غير إكراه، ومنح الدين الجديد قوة ضاربة بقادته ومقاتليه من طينة موسى بنو نصير، وطارق بن زياد، ليعبر بالدين الجديد إلى أوروبا وهو الذي خبرها من قبل. بل إن الأندلس تدين للشعب الجزائري في مواطن ثلاثة: فقد شكل الجزائريون الجزء الأكبر من قوات طارق بن زياد في الفتح الأول للأندلس، وفتحها مرة أخرى مع عبد الرحمن الفاتح، ذلك الأمير الأموي الذي فر من الشام، والتحق بأخواله من زناته الجزائر، فأمدوه بألف مقاتل عبر بهم البحر ليعيد فتح الأندلس، ويوحدها ويوسع من حدودها شرق جبال البيريني، وفي الثالثة فتح الشعب الجزائري ذراعيه وأرضه لاستقبال الأندلسيين من المسلمين واليهود الفارين من محرقة القشتاليين ومحاكم التفتيش.

.

وموحد شمال إفريقيا مرتين

ربما يكون المرحوم فرحات عباس قد قرأ تاريخ بلده وشعبه في بعض كتب مؤرخي الاحتلال المزورة للتاريخ، وإلا ما كان ليدعي عبث البحث عن الدولة الجزائرية في المقابر، ولعله كان يجهل أن هذا الشعب قد بنى دولة الموحدين العظيمة، التي حكمت شمال إفريقيا حتى حدود مصر ومعها صقلية، وأرسى الأمن والاستقرار في هذه الربوع لأكثر من قرنين، ولعله كان يجهل أن الدولة الفاطمية إنما انطلقت من الجزائر، وأن الأشقاء في مصر يدينون لنا بتشييد الأزهر الشريف.

وفي الجملة لم يكن هذا الشعب الجزائري نكرة في التاريخ، بل كان عزيزا وهو يقاوم الأمبارطوريات المتصارعة على حكم محيط البحر الأبيض المتوسط، كما كان عزيزا وهو ينقل المعارك إلى الضفة الشمالية، وكتب له أن يسود لعقود من الزمن في عهد رياس الجزائر على الملاحة في البحر الأبيض المتوسط، ويلزم دولا كبرى من الشمال الأوروبي والولايات المتحدة بشراء الحماية لحركتها التجارية في قلب العالم، ولم يكن في زمن رياس الجزائر سوى قوتين بحريتين عالميتين متصارعتين: قوة رياس الجزائر وبحرية الإمبراطور الإسباني شارل الخامس التي هزمت مرتين شر هزيمة على شواطئ العاصمة.

“أعطت الجزائر للثقافة العربية والإسلامية في جميع مناحي فنون اللغة والفقه والتاريخ قماقم عظام: يتقدمهم ابن خلون والزواوي، ويذيل قائمتهم الطويلة ابن باديس ومالك بننابي”

.

أعلام لحضارة الغرب والشرق

غير أن هذه الإطلالة الخاطفة على التاريخ السياسي والعسكري للجزائر فيها كثير من الإجحاف في حق الشعب الجزائري، الذي شارك في الحضارة الإنسانية بتقديم رجال بقامة القديس أوغيستان، أب اللاهوت المسيحي على الإطلاق، كما أعطى للثقافة العربية والإسلامية في جميع مناحي فنون اللغة والفقه والتاريخ قماقم عظام: يتقدمهم ابن خلون والزواوي، ويذيل قائمتهم الطويلة ابن باديس ومالك بن نابي، ومن هذا الميراث الثقافي العريق استلهم الشعب الجزائري أشكالا متنوعة من المقاومة الثقافية والفكرية التي حرمت المحتل من اختراق المجتمع الجزائري، وأقبرت مشاريع الاندماج، ولم يكن صدفة أن تنطلق جميع المقاومات من حاضنتها الأصلية في الزوايا والمجاميع الطرقية، التي رشحت لنا قادة مقاومة عظام: بدءا بالأمير عبد القادر، وانتهاء بالشيخ بوعمامة، والمقراني، والشيخ الحداد، حتى وإن كان بعضها قد خدع ودخل في ترتيبات مع المحتل، كما يخدع اليوم تيار الإسلام السياسي ويساق إلى العمالة والتواطؤ مع أعداء الأمة العربية والإسلامية.

.

فن التسويق الكبير لتاريخ صغير

في سنة 1985 كتب لي أن أزور الولايات المتحدة مع فريق من الصحفيين العرب، وطافت بنا المؤسسة الأمريكية صاحبة الدعوة في أكثر من 15 مدينة أمريكية: من نيويورك وواشنطن غربا حتى سان فرانسيسكو ودنفر غربا، مرورا ببعض مدن الميسيسيبي، وكانت المؤسسة تلح على الطواف بنا في كل مدينة وقرية بمجموعة من المتاحف التي تحكي التاريخ الأمريكي مع قصره وضحالته، حتى أنهم أدخلونا متحفا صغيرا داخل مغارة في جبال روكي مونتن ليس فيه سوى بعض ملابس وأسلحة عتاد الرواد من المعمرين الفاتحين للغرب الأمريكي، وتجد الأمريكيين يفاخرون بهذا التاريخ القصير لدولة أسست على رفات الملايين من شعب الهنود الحمر، وعرق ودماء الملايين من العبيد الأفارقة، ومع ذلك سوقت الثورة الأمريكية للعالم كواحدة من أكبر الثورات الحديثة إلى جانب الثورة الفرنسية، لأن الأمريكيين مثل الأوروبيين يجيدون تسويق ما حضر من تاريخهم المليء بالصفحات السود المظلمة، فيما فشلنا نحن في نفض الغبار عن تاريخنا المشرق، وإعادة اكتشاف جذورنا التي ليس فيها ما يخجل منه شعب، بل هي صفحات تغبطنا عليها كثير من الشعوب من أشقائنا العرب والمسلمين، ويمجدها أشقاؤنا الأفارقة وكثير من شعوب أمريكا الجنوبية، وهي على الدوام حاضرة في حسابات القوى العظمى، حين تقترب أو تحاول الاقتراب من الجزائر والجزائريين، كما نراها اليوم تزاور من حولنا ذات اليمين وذات الشمال، وتشيد على حدودنا الشرقية قواعد عسكرية في دول الربيع العربي، وتصنع أفغانستان جديد في شمال مالي.

.

اختطاف التاريخ قبل الشعوب

إغفال الدولة لتاريخنا المشبع بالمقاومة وعزة النفس، قد يشجع آكلات الجيف على الاقتراب من آخر فريسة تسيل لعابهم في هذه الجغرافية العربية المستباحة. ولأن نخبتنا السياسية ومعها جانب من النخبة الأكاديمية قد أوقفت جهدها على كتابة مزورة للتاريخ، تقف بالأمة عند سنوات ثورة التحرير، وكأنها كيان بلا نسب مع تاريخ متواصل من المقاومة، فإن الآخر المتربص قد يتحلل من حذره، وهو يراهن على أن خمسين سنة من الاستقلال والاسترخاء، واستغراق النخب الحاكمة في التهارش على الريع، كفيلة لكي يتسرب الوهن إلى جسد الأمة، التي قد تخدع كما خدع العراقيون والليبيون والتونسيون والمصريون والسوريون.

التاريخ ليس مجرد ترف فكري، أو اختصاص أكاديمي، أو مقرر تعليمي يلقن إلى جانب المعارف الإنسانية، بل هو سلاح لا ينبغي لأي أمة أن تضعه جانبا، حتى حين تسمح لها الظروف بترك أسلحة القتال في المخازن، وهو في اعتقادي أهم سلاح في بناء الأمن القومي، خاصة في هذا الزمن الذي نتابع فيه بمرارة كيف تختطف الشعوب التي فقدت ظلها وروحها بفقدان معالم التاريخ. ولو أن بعض الأمر كان بيدي، لكنت استبدلت وزارة الثقافة، التي تنفق المليارات على نشر مفردات ثقافة رعناء، بوزارة سيادية لترقية التاريخ، تتولى مهمة نفض الغبار عن تاريخنا، وبناء مؤسسات ليس فقط لكتابة التاريخ وتمحيصه، بل تعني بتثبيته في الذاكرة الجمعية عبر جميع أنواع وفنون التواصل الحديثة: من المتاحف إلى السينما والمسرح والفنون التشكيلية والفنون المعمارية، والتذكير المستديم بأيام الجزائر، حتى يعلم كل جيل من هو ومن هم الآباء والأجداد، ومن هو الصديق الذي لا ينبغي التفريط فيه، ومن هو العدو الذي لا ينبغي أبدا ائتمانه أو الدخول معه في شراكة.

.

“إغفال الدولة لتاريخنا المشبع بالمقاومة وعزة النفس، قد يشجع آكلات الجيف على الاقتراب من آخر فريسة تسيل لعابهم في هذه الجغرافية العربية المستباحة”

علبة ليلية في بيت أمير الجزائر

في هذه الأيام تشهد مختلف ولايات البلاد بناء عدد من المتاحف بعدد الولايات، وهي مبادرة محمودة، لولا الخوف من أن تتحول إلى مجرد هياكل خاوية على عروشها، يديرها بيروقراطيون لا يعلمون من تاريخ وثقافة هذا الشعب إلا القليل، مع غياب سياسة ثقافية واضحة، توظف هذه المتاحف في دعم وتثبيت مفردات الذاكرة الجمعية.

فقد بدأ البرنامج بارتكاب خطأ سياسي وتاريخي لا يغتفر، ببرمجة بناء متحف الأمير عبد القادر بمعسكر، وكأنه شخصية محلية وليس مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الذي يفترض أن يكون له وللمقاومة متحف يليق بالشخص وبالمقام في عاصمة البلاد، ويكون ضمن الجولات البرتوكولية لكبار زوار الجزائر، وقبل هذا كان حري بوزارة الثقافة أن تسارع إلى تصحيح الخطيئة التي ارتكبتها الدولة بإهمال بيت الأمير عبد القادر بدمشق، الذي ترك لفعل الزمن، ليشتريه أحد اللبنانيين ويحوله إلى علبة ليلية للرقص والدعارة.

.

5000 كتاب فرنسي لتمجيد الاستعمار

وفي الوقت الذي كانت فيه وزيرة الثقافة منشغلة طوال السنة بتدبير ساعة من الألعاب النارية، وكان والي مستغانم ينفق ساعات طوال من السنة في التفكير، قبل أن يستقر رأيه على بناء نصب من الرخام في الربع ساعة الأخير قبل موعد الخمسينية، كان المستعمر القديم قد نقل إلى المطابع أكثر من خمسة آلاف كتاب لتزوير تاريخ الحقبة الاستعمارية وتثبيت مفردات تمجيد الاستعمار بكلفة تقل مائة ضعف عما رصدته الجزائر لساعة من الألعاب النارية وبناء نصب تذكارية هي نصب صرف على الذاكرة الجمعية.

مقالات ذات صلة