-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النقد الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬وشروطه

عمر أزراج
  • 3520
  • 0
النقد الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬وشروطه

النقد الاجتماعي‮ ‬ظاهرة صحية وضرورية ولكن له شروطه و ضوابطه،‮ ‬وأخلاقياته،‮ ‬وبهذا الخصوص أذكر أن الرئيس الراحل هواري‮ ‬بومدين قد شجع في‮ ‬مرحله حكمه،‮ ‬الوسائل الإعلامية المكتوبة منها جريدة الشعب ومجلة‮ “‬المجاهد الأسبوعي‮” ‬في‮ ‬عصرهما الذهبي،‮ ‬على ترقية منبر شعبي‮ ‬لممارسة النقد الاجتماعي‮ ‬فيه ألا وهو ركن‮ “‬بريد القراء‮” ‬ودعا إلى جعله شفافا وتجنب ممارسة الرقابة عليه‭.‬

وقد وصل به الأمر،‮ ‬كما أخبرني‮ ‬أحد مستشاريه،‮ ‬إلى الاطلاع شخصيا على نماذج من رسائل القراء قبل نشرها قصد دراسة فحواها وذلك من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل المشكلات التي‮ ‬تطرحها،‮ ‬وكان أغلبها في‮ ‬ذلك الوقت مشكلات اجتماعية،‮ ‬وإدارية التي‮ ‬كان المواطنون‮ ‬يعانون منها‮. ‬ومما‮ ‬يؤسف له أن منبر بريد القراء ـ كجزء مهم من مسرح النقد الاجتماعي،‮ ‬ومن آلية تحسيس نبض القاعدة الشعبية،‮ ‬والكشف عن مشاغلها والعقبات التي‮ ‬تنغص حياتها اليومية ـ كاد أن‮ ‬يختفي‮ ‬في‮ ‬أغلب جرائدنا ومجلاتنا‮.‬

ومما لاشك فيه هو أن النقد الاجتماعي‮ ‬ليس بدوره سوى جزء أساسي‮ ‬من النقد العام،‮ ‬وهو‮ ‬يرمي‮ ‬إلى تأهيل وتحديث الفضاء الذي‮ ‬يدعى بالمجال العمومي‮ ‬حيث نلمس ونرى بأعيننا مدى ازدهار،‮ ‬أو تخلف الثقافة والفكر والفن ومختلف جوانب التنمية الوطنية،‮ ‬وحيث‮ ‬يوضع على المحك الأداء السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬على مستوى هرم السلطة وامتدادات هذا الهرم على مستوى المجتمع في‮ ‬المدن والأرياف‮. ‬وبهذا المعنى فإن النقد الاجتماعي‮ ‬لا‮ ‬يكشف فقط عن المشكلات اليومية التي‮ ‬يعاني‮ ‬من المواطنين البسطاء بل فإنه‮ ‬يسلط الضوء أيضا على البنيات والمؤسسات التي‮ ‬تنتج هذه المشكلات والأزمات،‮ ‬ونمط الثقافة التي‮ ‬تسييرها والتي‮ ‬هي‮ ‬بدورها جزء عضوي‮ ‬من بنيتها العامة‮. ‬

‬إذا‮  ‬تأملنا‮  ‬أغلب النقد السياسي‮ ‬المتداول عندنا،‮  ‬وفي‮ ‬المجتمعات العربية في‮ ‬المشرق،‮ ‬فإننا نجده‮ ‬يدخل إما في‮ ‬إطار المدح أو التقويض أو التبرير،‮ ‬أو في‮ ‬إطار الشتم،‮ ‬والقذف،‮ ‬والتجريح،‮ ‬علما أن‮  ‬السياسة هي‮ ‬أخلاق وحضارة على صعيدي‮ ‬من‮ ‬يمارسها ومن‮ ‬ينتقدها معا،‮ ‬وأنها‮  ‬فن تصور الحكم الفاضل في‮ ‬المجتمع‮.‬

وهكذا فإنه‮ ‬ينبغي‮ ‬عدم عزل ظاهرة الفساد الإداري‮ ‬في‮ ‬ولاية ما أو في‮ ‬بلدية ما وكأنها جزيرة بل لابد من فك شفرات عطب وتخلف المؤسسات والذهنية المنتجة لها‮. ‬وتفيد الوقائع أن أهم ما‮ ‬يميز المجتمعات المتطورة هو القدرة الذاتية الفورية الشجاعة على نقد وإصلاح فساد الذهنية السائدة والبنيات،‮ ‬والمؤسسات الاجتماعية،‮ ‬والسياسية،‮ ‬والإدارية،‮ ‬والثقافية،‮ ‬والتعليمية وغيرها،‮ ‬وعلى تشخيص أوجه التخلف والعطالة فيها باعتبارها جميعا مصدر السلبيات‮. ‬

وهنا نرى مثلا أن دور النقد الاجتماعي‮ ‬أساسي‮ ‬في‮ ‬مجال حساس جدا ألا وهو المعمار والبنيات المختلفة له،‮ ‬وهنا نتساءل‮: ‬من هو المخول له أن‮ ‬يمارس هذا النوع من النقد؟ ثم،‮ ‬ماذا عن الخصائص والشروط التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تتوفر في‮ ‬مجال النقد الاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬يخص قطاع المنظومة التربوية بما في‮ ‬ذلك منظومة التعليم المهني‮ ‬والتعليم العالي‮ ‬على سبيل المثال؟ لاشك أنه من حق أي‮ ‬مواطن أن‮ ‬يدلي‮ ‬بنصيبه في‮ ‬تشخيص ونقد المشكلات والنقائص الموجودة في‮ ‬مثل هذه القطاعات الحساسة،‮ ‬التي‮ ‬تعتبر بحق معيارا وواجهة تقدم أو تخلف البلاد‭.‬

ولكن المواطن العادي‮ ‬غير المتخصص‮ ‬ينتظر في‮ ‬الغالب أن‮ ‬يقوم بهذه المهمة الكبرى والصعبة أولئك الذين‮ ‬يتوفرون على المعرفة الدقيقة بفن المعمار،‮ ‬وأنواعه وعلاقته بالشخصية الوطنية ومدى تأثيره على إنتاج النفسيات والسلوك،‮ ‬ومدى تعبيره عن المشروع الثقافي‮ ‬والحضاري‮ ‬الذي‮ ‬نطمح أن نبنيه ونضيفه كمعلم مشرق ومتميز إلى سجلنا التاريخي،‮ ‬كما أنه‮ ‬ينتظر أن‮ ‬يتصدى للمهمة الكبرى التي‮ ‬تتمثل في‮ ‬ترقية وتطوير المنظومة التعليمية ـ بكل أنواعها وأطوارها ـ علماء ونقاد بداغوجيات التعليم وطرائق تجسيده وذوو التخصص والخبرة العلمية،‮ ‬ومن هنا فإن الدور‮ ‬يقع مباشرة على ما‮ ‬يسمى في‮ ‬علم الاجتماع الحضري‮ ‬والثقافي‮ ‬والتربوي‮ ‬على شرائح المهندسين المعماريين،‮ ‬والمهندسين،‮ ‬والتقنيين المتخصصين في‮ ‬علم التعليم المهني‮ ‬بكل أنماطه وتفريعاته،‮ ‬وعلى فرق الفلاسفة،‮ ‬والمفكرين والمربين الذين‮ ‬يملكون مفاتيح علم وفن وتخصصات عالم التربية والتعليم‮. ‬

على ضوء ما تقدم،‮ ‬فإنه‮ ‬ينبغي‮ ‬أن ندرك أن لا‮ ‬يكفي‮ ‬أن نعقد الندوات والملتقيات ذات الطابع الوطني‮ ‬أو الدولي‮ ‬للتباحث في‮ ‬الكيفيات والوسائل المادية الكفيلة بحل أزمة السكن بواسطة بناء مئات الآلاف من،‮ ‬أو ببناء مختلف البنايات ذات الطابع التجاري‮ ‬أو الإداري‮ ‬أو السياحي‮ ‬وغيرها فقط رغم أن هذا الاجراء مهم وضروري‮ ‬وينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتواصل ولا‮ ‬يبقى مرهونا بالطوارئ الاستعجالية،‮ ‬ولكن‮ ‬يليق بنا أن نعمل التفكير عميقا من أجل إنجاز المعمار الذي‮ ‬يرتبط بمشروع بناء الهوية الوطنية التي‮ ‬تعلن عن خصوصيتنا،‮ ‬وتعمق انتماءنا التاريخي‮ ‬والحضاري‮ ‬ودورنا فيهما‮. ‬

في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬ينبغي‮ ‬الإشارة،‮ ‬ولو بسرعة،‮ ‬إلى قضية مفصلية وهي‮ ‬أن التأسيس للحضارة المتميزة أمر مرتبط مصيريا بنمط المعمار الذي‮ ‬يختاره هذا البلد أو ذاك‮. ‬ففي‮ ‬عصرنا الحديث قد أبرزت الدراسات المعمارية والسيكولوجية وتلك التي‮ ‬تتناول العلاقة المتبادلة بين نمط معماري‮ ‬ما للمدن والقرى والطرقات،‮ ‬والساحات العامة،‮ ‬والقطارات،‮ ‬والحافلات،‮ ‬والمزارع،‮ ‬وغيرها من الفضاءات،‮ ‬وبما لا مجال فيه للشك،‮ ‬أن ذلك النمط المعماري‮ ‬هو الذي‮ ‬يقف وراء صياغة نفسية،‮ ‬وطريقة تفكير،‮ ‬وأسلوب حياة أي‮ ‬شعب رغم أن كل ذلك‮ ‬يتم بلا وعي‮ ‬من أفراد ذلك الشعب‮. ‬ونلح هنا على ضرورة إدراك حقيقة وهي‮ ‬أن العناصر المذكورة مرتبطة ومشروطة بالضرورة وبنسبة عالية بنوعية المحيط الحضري‮ ‬المعماري‮ ‬الذي‮ ‬ينتجها ويشكل هوية الشعب نفسه‮. ‬ومن الواضح للعيان أن بلادنا تفتقر فعلا إلى بنية معمارية وطنية نابعة من خصوصيات أجمل قسمات تراثنا الثقافي‮ ‬والفني،‮ ‬وخاضعة للتجديد الجمالي‮ ‬والراقي‮ ‬من جهة،‮ ‬ومعممة على مستوى التراب الوطني‮ ‬من جهة ثانية‮. ‬

‬إن النقد السياسي‮ ‬المنتَج لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون ندبا،‮ ‬ونواحا،‮ ‬وعنفا مزمنا،‮ ‬وعويلا على سوء حظ الديمقراطية في‮ ‬مجتمعاتنا،‮ ‬بل المطلوب هو إبداع المشاريع الواضحة والعلمية التي‮ ‬تؤهلنا أن تبنى عمارتها وشروطها المحورية المادية والنفسية والثقافية مثل‮  ‬البنيات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والقانونية‮.‬

إن الذي‮ ‬يحصل ولا‮ ‬يزال‮ ‬يحصل عندنا في‮ ‬هذا المجال هو تعميم فسيفساء من الفوضى والتوحش المعماريين الذين سيؤثران سلبيا وحتما على المدى الطويل،‮ ‬وسيساهمان في‮ ‬إنتاج فسيفساء من النفسيات،‮ ‬والذهنيات،‮ ‬والعلاقات المتنافرة فضلا عن إنتاج هوية وطنية في‮ ‬صورة جزر متناقضة‮. ‬لاشك أن البنية المعمارية مكون أساسي‮ ‬للشخصية القاعدية للأفراد والجماعات ولها علاقة عضوية بنمط الثقافة السياسية التي‮ ‬ينتجها ويمارسها هؤلاء عندما‮ ‬يصبح أحدهم في‮ ‬منصب المسؤولية في‮ ‬مختلف المواقع التي‮ ‬تدير الشأن العام‮. ‬

وهكذا نرى أنه إذا تأملنا أغلب النقد السياسي‮ ‬المتداول عندنا،‮ ‬وفي‮ ‬المجتمعات العربية في‮ ‬المشرق،‮ ‬فإننا نجده‮ ‬يدخل إما في‮ ‬إطار المدح أو التقويض أو التبرير،‮ ‬أو في‮ ‬إطار الشتم،‮ ‬والقذف،‮ ‬والتجريح علما أن السياسة هي‮ ‬أخلاق وحضارة على صعيدي‮ ‬من‮ ‬يمارسها ومن‮ ‬ينتقدها معا،‮ ‬وأنها فن تصور الحكم الفاضل في‮ ‬المجتمع،‮ ‬ولذا‮ ‬يشترط في‮ ‬مثل هذا النوع من النقد السياسي‮ ‬أن‮ ‬يكون علما‮ ‬يدقق في‮ ‬ذلك الفن وفي‮ ‬فعاليته أو عدم فعاليته نظريا وممارسة‮.‬

ثم فإن النقد السياسي‮ ‬المنتج لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون ندبا،‮ ‬ونواحا،‮ ‬وعنفا مزمنا،‮ ‬وعويلا على سوء حظ الديمقراطية في‮ ‬مجتمعاتنا،‮ ‬بل المطلوب هو إبداع المشاريع الواضحة والعلمية التي‮ ‬تؤهلنا أن تبنى عمارتها وشروطها المحورية المادية،‮ ‬والنفسية والثقافية مثل البنيات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والقانونية‮. ‬

ثم كيف‮ ‬يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية وشبح الأمية العلمية والحرفية والمهنية والسياسية والقانونية‮ ‬يطارد نسبة ما لا‮ ‬يقل عن‮ ‬50‮ ‬٪‮ ‬من مواطنينا ومواطناتنا؟ وكيف‮ ‬يمكن أن ننجح في‮ ‬مسعانا في‮ ‬ظل مجتمع بطريركي‮ / ‬ذكوري‮ ‬مثبت تثبيتا في‮ ‬البنية الداخلية العميقة من شخصيتنا القاعدية،‮ ‬ونعيد إنتاجه‮ ‬يوميا سواء في‮ ‬تصوراتنا،‮ ‬أو في‮ ‬ممارساتنا،‮ ‬ثقافيا وذهنيا وسلوكا،‮ ‬وكيف‮ ‬يمكن أن نطالب الحاكم‮ (‬الذي‮ ‬هو إفراز لنا ولمجتمعنا‮) ‬أن‮ ‬يكون عادلا وديمقراطيا في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لا نمارس فيه نحن الديمقراطية كأفراد في‮ ‬علاقاتنا اليومية مع بعضنا البعض،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تخلو فيه خلية الأسرة من وازع العدالة وحرية تقرير المصير لأعضائها المكونين لها؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • رشيد - Rachid

    سعيد ومتفائل بقراءة مقالات مثل هذه المقالات
    شكرا لك سيد أزراج

  • fares

    هل بومدين دكتاتور ام مشجع للديموقراطية , ام ارتم ايداع هذه الشخصية الثورية النزيهة في مطلع الموضوع لجلب القراء
    بصراحة لم يطلع الموضوع للمستوى مع احترام الفكرة

  • مبارك بن دراح

    أيها الأزراج الكبير لا أختلف معك كثيرا في ما طرحت من أفكار ، لكن ألا ترى أن السلطة عندنا- وبسبب ظروف تاريخية قريبة معروفة- ليست وليدة الاختيار الشعبي الواعي والمسؤول، فهي لا تعدو كونها مجموعة من السياسيين و المسلحين الذين شاءت ظروف تاريخية ما أن يكونوا أكثر وعيا وإدراكا للواقع فاستلموا الحكم غداة [الاستقلال] دون اعتراض ولا مقاومة إلا من بعض نظرائهم، و هذا المجتمع بكل تراكمات الجهل والتخلف والفساد فيه هو من إنتاج عبقريتهم، وبالتالي فتحميله المسؤولية فيه إجحاف كبير، الشاة لاتختار ذباحها .

  • مواطن

    يقول ذوو البصيرة:إذا أردت أن تنال احترام القوم عليك أن تحسن الاستماع إليهم.مشكلة الكثير ممن ارتقوا في السلم الاجتماعي أنهم يعتبرون أنفسهم قد وصلوا إلى مستوى يخولهم التعالي على من سواهم لأنهم احتلوا مناصب إدارية أو سياسية أو مهنية تجعلهم أذكى فكرا وأرقى حضارة وأكمل علما وبذلك يمنعون الآخرين من مخاطبتهم وهم بذلك يدوسون أول حق من حقوق المواطنة لأنهم لا يوافقونهم الرأي أي أنهم جهلاء لا يحق لهم انتقادهم.لو كان التعبير مخصصا لطبقة المستبدين لضاعت الأمم كما ضاعت حرية أوطاننا بفعل الذين احتكروا التفكير.