النهاية المبرمجة للوظيفة الحزبية
عزوف المواطنين عن متابعة فعاليات الحملة الانتخابية هو مقدِّمة لعزوف الناخبين المرتقب يوم الاقتراع، وقد قدمت له الأحزاب بعزوف غريب عن استغلال كثير من ساحات التعبير والتواصل مع المواطنين، وعزوف الدولة عن التسخير المعتاد لأدواتها التقليدية في الإعلام والإدارة وفي ما يُسمَّى بـ”المنظمات الجماهيرية” بما يطرح عديد الأسئلة عن مستقبل ممارسة التعددية عبر الأحزاب التقليدية، وربما عن مستقبل اختيار النخب الحاكمة عبر المسارات الديموقراطية.
الظاهرة لا تعني حصرا دول العالم الثالث الحديثة العهد بالتعددية، بل هي ظاهرة متنامية في قلب العالم الغربي الديمقراطي الذي بدأ يفرز قيادات خارج العائلات الحزبية التقليدية، فكان أن وصل إلى البيت الأبيض رئيس من غير دعم الحزب الجمهوري الذي ترشح باسمه، وقد ينتخب الفرنسيون رئيسا بلا انتماء حزبي صنعته الأوليغارشية المالية بأدوات التسويق خارج رحم الأحزاب، وقد تُعمَّم التجربة في مختلف الدول الغربية التي تحررت فيها القوى المالية المهيمنة من الحاجة إلى الأحزاب كحاضنة لتشكيل النخب المؤهلة للحكم.
هذه النهاية المأساوية للتعددية الحزبية كانت متوقعة منذ أن نجحت العصابة المالية المهيمنة في بسط السيطرة على وسائل نشر المعلومة وإدارة وتوجيه الرأي العام عن بعد اختطفت إدارة الشعوب من الأحزاب والنخب التقليدية، ولك أن تعلم أن ست امبراطوريات إعلامية تتحكم اليوم في صناعة الرأي العام في الولايات المتحدة ومثلها في القارة العجوز، وبات تدفق المعلومة حكرا على أربع وكالات عالمية تعمل اليوم كرئيس تحرير مشترك لمعظم قنوات وصحف العالم، وقد طردت الأقلام الحرة المستقلة إلى أدغال الشبكة العنكبوتية لتقع تحت نظام رقابة محكم على تدفق المعلومة والرأي الآخر تمارسه بصرامة مؤسساتٌ تابعة للأوليغارشية مثل: “فيس بوك” و”تويتر” و”يوتوب” فيما استحوذت على معظم مراكز “الثينك ثانك” التي تستقطب خيرة العقول الأكاديمية في العلوم الإنسانية يسوِّقهم الإعلام كخبراء، يضاف إليها الأدوات التابعة للأمم المتحدة التي توظف بشكل فاضح لخدمة مصالح الأوليغارشية مثل: صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، والمنظمة العالمية للصحة، كما طال هذا النفوذ هيئات حقوقية مثل: “آمنيستي” و”هيومن رايت” و”محققون بلا حدود”.
وحيث أن أغلب مؤسسات صناعة الرأي العام هي اليوم بيد العصابات المالية فإنها بدأت تتعامل مع المؤسسات الحزبية التقليدية كما تعاملت من قبل مع المؤسسة الكنسية بعد نجاح الثورة البورجوازية، وهي في طريقها إلى إعلان “نهاية الخدمة” حتى قبل استكمال مشروع العولمة الذي يحمل في حمضه النووي الجينوم المبرمَج لإنهاء المنظومة الليبرالية والديمقراطية واستبدالها ـ كما تنبَّأ بذلك كل من جاك لندن وجورج أورويل ـ بدكتاتورية وصفها بعضُهم بالدكتاتورية المستنيرة.
وما حققته الأوليغارشية المالية في الغرب عبر ملحقاتها، تحققه عندنا القوى المهيمنة على أدوات وأركان الدولة على نطاق متنامٍ، حتى إننا لم ننتبه إلى أن رئيس الجمهورية انتُخِب لعهدةٍ رابعة دون الحاجة إلى المشاركة في الحملة، وكان بوسعه الفوز حتى دون دعم الأحزاب الوظيفية، وبوسع النظام اليوم أن يرشح من يشاء في الاستحقاق الرئاسي القادم، بمشاركة الأحزاب أو مع غيابها، بمشاركة الناخبين أو مع عزوفهم لأنه يمتلك وحده أدوات صناعة الرأي، يوزع ريعها على من يشاء متى شاء لمّا يشاء.