النيف والكيف
لا أحد يعرف اسمه، ولا مسقط رأسه، ولا سنّه ولا حتى أمنياته الصغيرة والكبيرة، ذاك الدركي الوسيم بتلقائيته، الشامخ بأنفته.. لكن ملامحه تذكرك بوقفة أحمد زبانة أمام المقصلة في سجن سركاجي، ذات يوم إرهاب استعماري في 19 جوان 1956، وابتسامة العربي بن مهيدي أمام جلاده الجنرال بول أوساريس قبل إعدامه في الثالث من مارس 1957، بل ويذكرك بأنفة و”نيف” ملايين الجزائريين، بين شهداء ومنتظرين.
لمح بعينيه، راية نشازا، ترفرف هناك في بلاد الركوع لغير الله، فرفع سبابة يده اليمنى بنخوة، أحفاد الشهداء، وأشار إلى أنفه. ومن دون أن يقول كلمة واحدة، قال إلياذة شرف وكرامة، لا يفهمها إلا الأحرار، ومنهم بعض غلابى بلاد مراكش، الذين هزتهم براءة الدركي الجزائري وأنفته، واعتزازه بنفسه فسارعوا ليحيّوه بأحسن تحية، من خلال حرق تلك الراية الخرقاء، التي أرادها عبيد العرش، سندا لرايتهم.
لا أحد في الجزائر، أراد أن يعرف اسم الدركي، ولا مكان إقامته، لأنه فعَل ما كان سيفعله أي جزائري في مكانه، بينما تحرّك الأحرار في بلاد مراكش، وتاه الذين لم ينعموا، في سرد تاريخهم، بشخصيات، كانت تتقدم إلى المقصلة باسمة الثغر، متلهفة للشهادة، بعنوان واحد لا يعرفه إلا من اتسم بخصلة “النيف” الجزائري.
هناك بعض الخصال التي لا تورّد ولا تُعلّم، ولا يمكن التحلي بها من أي شعب كان، ومن الصعب شرح كلمة “نيف”، للذي لم يعرف الشهامة طوال تاريخه، فلا مقاومة شعبية في تاريخ بلاده، ولا ثورات ولا صمودا، لأجل ذلك، قتلتهم تلك اللقطة التلقائية التي قذفهم بها، ذاك الشاب الدركي الذي لم يكن في حاجة لأن يصله أمر بتنفيذها، ولم يكن له متسع للتردد في رسمها على محياه، في واحدة من أرقى وأقوى، الرسائل، التي زلزلت العرش هناك، إن لم يكن قد تحوّل إلى ردم وركام.
يقال والعهدة على الراوي من بلاد مراكش، إن سيدة يهودية حملت الراية الصهيونية، وتنقلت إلى الحدود قبالة الحدود الجزائرية، بدعم من رجالات المخزن، الذين حملوا رفقتها علم المملكة الذي أسسه الجنرال الفرنسي هوبير ليوتي بمشاركة قدور بن غبريط، وجمعوا من أهل مراكش ما جمعوا، وولوا وجوههم القبيحة شطر أرض الشهداء، فكان الرد أعنف من الرصاص، حركة من دركي شاب وضعتهم في الدَرَك الأسفل.
ولأن المهزوم والمذلول يصعب عليه تفسير الإشارات، وقراءة ملامح الوجه وسفر العيون في أعماق التاريخ النيّر، فإن ما صال وجال به أزيز الذباب المخزني تفسيرا لكلمة “نيف”، واستجابة بعض الأحرار من بلاد مراكش، الذين سارعوا ليطهّروا بصر ذاك الدركي وإخوانه، بحرق راية الصهاينة والتلويح بالعلم الفلسطيني، في أروع رد سلام، على سلام الأنفة والنيف.
بإمكانك أن تقدم درسا في الأخلاق، لأيّ كان، فتعلمه كيف يوفي بعهوده، وألا يخون ولا يغدر، وكيف يصون الأمانة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن أن تعلمه الكرامة والشرف والنيف، فذاك أمر صعب جدا، ومع بعض الأنذال من مدمني “الخيانة” و”تقبيل الأيادي” و”العهر” والدجل” وخاصة “الكيف”.. مستحيل.