النُّخبة القذِرة
يعرف عالمنا اليوم نُخبا كثيرة بعضها مفيد وبعضها مستفيد وبعضها قذر إلى درجة العمالة والخيانة والعُهر الفكري والسياسي. ولن أتكلم في هذه السطور إلّا عن الصنف الثالث والذي بلغ من الفجور ما لا يمكن معه الصبر والسكوت.
وحتّى أكون موجِزا وواضحا في أن واحد، فإنّ ما أسمّيه “الّنخبة القذرة” ينقسم إلى أقسام كثيرة، منها:
1- نخبة باعت نفسها للشّيطان وارتمت كلّيا في خدمة أعداء الأمّة القدامى والمُحْدثين، واتّبعت في ترسيخ بيع ذمّتها قذارة مُرَكّبة بدأت فيها بالتّغطية والمشاركة في تعميق أزمات الشعوب التي وُلِدت وتربّت في أحضانها، وذلك بخدمة أهداف من سيطر على القرار السّياسي مرحليًّا لترسيخ التّبعية للإستدمار القديم، وظنّوا بذلك أنّهم قد اكتسبوا مناعة ضدّ المُتابعة والمُحاسبة، وأصبحوا فوق القانون والمُساءلة، وأباحوا لأنفسهم كل الممنوعات والموبقات، فتراهم إطارات في مفاصل الدولة لا يؤدّون عملهم ولكنّهم يخدمون أغراض أسيادهم مُستظِلِّين بمزايا “الإطار السّامي” الذي يُخَوِّل لهم سهولة في السّفر داخل البلاد وخارجها، كما يُذلِّل أمامهم عقبات التّحري والمتابعة.
.. مِن أمثلتهم البارزة هذا الذي يُدعى صنصال.. من زكّاه ليكون إطارا ساميًّا في الدولة، والمعلوم أنّ مثل هذا المنصب لا يُزكَّى فيه شخصٌ إلّا بعد التّأكد من نظافة مساره الشّخصي؟ من سمح له بالسفر للخارج دون الرّخصة التي يُطالَب بها الموظّف السّامي عند مغادرته التّراب الوطني؟ لماذا لم يُتابَع بجرم ذهابه للكيان الصهيوني ونشاطه الإجرامي المخالِف للموقف الرّسمي للدولة الجزائرية؟
مثل هؤلاء لا يُرَاقبون ولا يُتَابعون ولا يُعَاقبون، بل ينتقلون من دائرة إلى أخرى مُحَصَّنين. وقد كشفت الأيام لاحقا أنّهم أشدّ خطرا على البلاد ممّن وظّفهم، ومِن أمثلتهم البارزة هذا الذي يُدعى صنصال.. من زكّاه ليكون إطارا ساميًّا في الدولة، والمعلوم أنّ مثل هذا المنصب لا يُزكَّى فيه شخصٌ إلّا بعد التّأكد من نظافة مساره الشّخصي؟
من سمح له بالسفر للخارج دون الرّخصة التي يُطالَب بها الموظّف السّامي عند مغادرته التّراب الوطني؟
لماذا لم يُتابَع بجرم ذهابه للكيان الصهيوني ونشاطه الإجرامي المخالِف للموقف الرّسمي للدولة الجزائرية؟
لماذا كلّ هذه الحماية من فرنسا اليوم ولماذا كان مَحْميا داخليا قبلها؟ هل من علاقة نفعيّة بين من حماه سابقا ويدافِع عنه اليوم؟
هل يمكن أن تكون عقوبة بائع الوطن وبائع ذمّته للأعداء أخفَّ من عقوبة بائع الزيت الذي احتكر وكدّس عددا من دلاء الزيت فوق ما يُخوِّله له القانون، فيُعاقَب الأول بخمس سنوات سجنا في حين يُعاقَب الثاني بثلاثين سنة سجنا؟
إنّ هذا الصِّنف من النّخبة القذرة كمن يحميها، لا يختلفون في شيء عن أولئك الذين لبسوا عباءة الدّين الإسلامي ليقوموا بزيارة مباركة ومساندة لجرائم الصهاينة أعداء الإنسانية.
2- نخبة تربّت على عبادة المصلحة الشخصية، أو المناطقية، أو الفئوية العقدية ومنها اللّسانية أو الإيديولوجية أو الجهوية…. الخ
هذه النخبة شديدة الانتشار أفُقيا في المجتمع وتنظيماته المدنية المختلفة، وعموديا في دواليب الدولة المختلفة. وكلّما تقاطعت أفقيا وعموديا اشتدّ عمودها وانتشر صيتُها وعمَّت قبضتها وتوسّع سلطانها. ولأنّها قذرة فإنّها لا ترى مصلحة الوطن إلّا من خلال تحقيق قناعاتها.
3- نخبة مسلوبة الانتماء الحضاري، يتيمة الأصول، عديمة الوفاء، كبيرة الاستكبار، شديدة الدّمار، ترتدي لبوس الانفتاح والإصلاح وتُبديه، وتُخفي حقيقة السُّفور والفجور وتُداريه، تتوزّع في كل مفاصل المجتمع وفي مختلف درجات المسؤوليات في الحكم وصناعة الرّأي واكتساب الثروات، كما تتّخذ من التّنظيمات السياسية والمدنية وخاصة الثقافية منها منابرَ لإيصال قناعاتها وبث سمومها.
4- وتُعتبَر نخبةً قذرة كلُّ مجموعة تميزّت في المجتمع بغطاء علمي أو ديني أو سلطوي أو مالي أو سياسي أو إعلامي غير أنّها لم تُسخِّر ادّعاءها لخدمة المصلحة الوطنية، بل اتّخذتها سبيلا للارتزاق والتّميز والاستكبار وخدمة المصالح الأجنبية عامة وربما الأعداء خاصة.
وإن لم نُبادر إلى مُعالجة هذا الوضع فإنّ الأمر يُنذِر بخراب العمران.
والرّأي عندي أنّ معالجة هذا الموضوع يجب أن يتحلّى بالجدّية والموضوعية من دون استعجال مُخِلّ أو تقاعس مُذلّ، ومن ذلك مثلا:
– تحصين مراكز صناعة القرار من وصول أمثال هؤلاء إليها بمجموعة من الإجراءات الاحتياطية المُسبقة وأخرى علاجية لاحقة.
– فتح مجال الحوار على أوسع نطاق رسمي وشعبي، أفقيا وعموديا، بحيث يؤطَّر المجتمع من نخبته المصفّاة والمصطفاة نتيجة مخرجات هذا الحوار الدّائم غير المحدَّد بالمكان أو الزّمان، ومن ذلك التّشجيع المادّي والقانوني والسياسي والإعلامي على انتشار النّوادي لمختلف النُّخب، كنواد لإطارات الصّحة، والقانون، والإعلام، والمهندسين في مختلف الميادين الصناعية والفلاحية والعمرانية، ورجال الأعمال، والباحثين، والمبتكرين، ورجال الفكر والسياسة والاجتماع وغيرهم.
إنّ حركة المجتمع الواسع في التّدافع الفكري والنّقاش السلمي، وضمان حماية حرية التعبير عن الرأي من دون خوف من متابعة أو انتقام أو اعتداء ضمن إطار احترام الثّوابت والمقدّسات، إنّ توفُّر كل ذلك يشكِّل بداية الخروج من النّفق والمعالجة الدّائمة لتصفية المجتمع من النُّخب الخبيثة، لأنّ المجتمع في المُحصِّلة يصبح مؤطَّرا من طرف نُخبه التي تعبِّر عن آلامه وآماله، لا تلك التي تعبث به مستغبية له أو مستغلة له لأغراض الله وحده أعلم بمآلاتها.
لقد قيل إنّ الشّعوب مُستهلِكة للحضارة وغير صانعة لها، وإنّ الحضارات تصنعها النُّخب، وما لم تكن هذه النُّخب مرتبطة بمصالح شعوبها فإنّ الخبث أقرب إليها من صناعة حضارة، لأنّه لا يمكن أن نتصور رجالا من النُّخب لا يلتزمون بمقدّسات شعوبها وثوابتها بدعوى الحريات الفردية أو بالارتكاز إلى امتلاك بعضها للقوة والقدرة على قمع الغير وإجباره على الاستكانة والطاعة لأنّ ذلك منذرٌ بخراب العمران كما قرّر ابن خلدون.