-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النُّخَب الفرنسية وأوهام عُقْدَة المستعمر القديم

بقلم: كمال أبوسنة
  • 386
  • 0
النُّخَب الفرنسية وأوهام عُقْدَة المستعمر القديم

تابعت مجريات الموائد المستديرة في بعض القنوات الفرنسية على مضض لأعرف ما تقوله النُّخَب الفرنسية سواء اليمينية المتطرفة أو اليسارية فيما يخص العلاقة القائمة اليوم بين دولتنا الجزائرية السيدة والسلطة الفرنسية الحاكمة التي انقسمت بين متطرف داع إلى إلهاب المعركة ضد الجزائر ومعاقبتها وداع إلى التهدئة وممارسة الحوار المتكافئ كما دعا إلى ذلك السيد “دومينيك دو فيلبان” رئيس الحكومة الأسبق، خاصة بعد زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى إيطاليا وعقد مجموعة من الاتفاقيات المهمة في مجالات متنوعة.

تابعتُ ذلك، فوجدت أن أكثر هذه النُّخب المحسوبة على الثقافة والإعلام والسياسة والتي تبوّأ بعضها مناصب حساسة في بعض الحكومات الفرنسية السابقة يدفعها حقدها الاستعماري القديم إلى مهاجمة الجزائر، سلطة وشعبًا، بكل وقاحة وتطرّف وكأن الجزائر خُلقت لتكون -في ظنهم المريض- تابعة لفرنسا سياسيًّا، وخادمة لمصالحها اقتصاديًّا، وجارية في فلكها ثقافيًّا وتربويًّا…

وقد أعرب أغلب هؤلاء القوم في حواراتهم -وهذا ما أسعدني- عن أن الدولة الجزائرية تمكّنت من اللعب بحنكة سياسية ودبلوماسية راقية في إدارة الخلاف مع الحكومة الفرنسية، أو بعبارة أدق مع بعض المتعصبين الاستعماريين في السلطة الفرنسية، وعلى رأسهم وزير الداخلية الجمهوري “اليميني” المتطرف “رونو روتايو” الذي يتزعم قيادة حرب قذرة على الجزائر استعمل فيها أحط الوسائل للضغط عليها، ومنها تعمُّد إهانة الدبلوماسيين الجزائريين العاملين بالسفارة الجزائرية بفرنسا، وملف المهاجرين، وورقة الكاتب الفرنكوصهيوني بوعلام صنصال، والعزف على وتر “الإسلاموفوبيا”، وقبل هذا المتاجرة بمسألة الصحراء الغربية التي هي مسألة تدخل في باب تصفية الاستعمار وترعاها الأمم المتحدة، ودفعوا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” تحت ضغطهم المحسوب إلى الاعتراف بما سمّاه “مغربية” الصحراء الغربية، وهذا من أخطائه السياسية الكبرى بشهادة بعض البارزين من المحللين الفرنسيين أنفسهم، خلافًا لما تدعو إليه الجزائر ومن سار على مذهبها السياسي الوسطي المعتدل منذ عشرات السنين إلى ضرورة فسح المجال للشعب الصحراوي ليقرر مصيره بنفسه ديمقراطيًّا عبر الاستفتاء النظيف بإشراف الأمم المتحدة!

إن هذا السلوك الاستعلائي الاستعماري الرخيص من قبل نُخَبٍ فرنسية كثيرا ما ادّعت التحضُّر والديمقراطية، وتمثيل ما يسمونه “قيم الجمهورية”، لا يكشف سوى عن ازدواجية عميقة في التفكير المرتبط بالذهنية الاستعمارية الموروثة التي لم تستطع التخلّص -إلى حد الآن- من منظورها الاستعبادي وهمجيتها المتوحشة، ففرنسا العجوز رغم دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي فقد فقدت ذكاءها بسبب الخرف السياسي، وما زالت تتصرف تجاه الآخرين من الدول التي ابتليت باحتلالها المخزي للإنسانية سابقا بالثنائية الآتية (السيد والعبد)، وهي لا تحتمل منذ استقلال الجزائر بفضل الله ثم بفضل تضحيات أبنائها البررة أن تراها دولة ذات سيادة، تتخذ قراراتها باستقلالية وفق قاعدة الحفاظ على مصالحها، وتقف الند للند في المحافل الدولية والتجمعات العالمية، وتُحبط مشاريع الإملاء والإذلال السياسي التي كانت تحمل عنوان “الشراكة” ولكن الشراكة غير المتكافئة.

أعرب أغلب هؤلاء القوم في حواراتهم عن أن الدولة الجزائرية تمكّنت بحنكة سياسية ودبلوماسية راقية من إدارة الخلاف مع الحكومة الفرنسية، أو بعبارة أدق مع بعض المتعصبين الاستعماريين في السلطة الفرنسية، وعلى رأسهم وزير الداخلية الجمهوري “اليميني” المتطرف “رونو روتايو” الذي يتزعم قيادة حرب قذرة على الجزائر استعمل فيها أحط الوسائل للضغط عليها، ومنها تعمُّد إهانة الدبلوماسيين الجزائريين العاملين بالسفارة الجزائرية بفرنسا، وملف المهاجرين، وورقة الكاتب الفرنكوصهيوني بوعلام صنصال، والعزف على وتر “الإسلاموفوبيا”، وقبل هذا المتاجرة بمسألة الصحراء الغربية…

إن ما يثير الغثيان حقا هو هذا الانفصام الأخلاقي الفرنسي لدى بعض ساستها ونُخَبتها غير السوية، التي تُهاجم الجزائر السيدة لأنها ترفض الخنوع، وتُصرّ على بناء علاقاتها الخارجية على مبدأ الاحترام المتبادل والتكافئية لا التبعية لأحد مهما تكن قوته وسطوته.

إن تسليط وزير داخلية فرنسا المتطرف “رونو روتايو” اليوم، سيفَ الابتزاز السياسي والإعلامي ضد الجزائر، واستعمال أوراق قذرة مثل ملف المهاجرين، والضغط على الجالية الجزائرية، وفتح منصات إعلامية للشخصيات الفرنكوصهيونية واليمينية المتطرفة لمهاجمة الجزائر، هو تأكيدٌ على أن العقلية الاستعمارية لا تزال حيّة في قصر الإليزي وملاحق السلطة الفرنسية، وأنّ فرنسا، برغم ما تدّعيه من ديمقراطية وتحضُّر، لا تحتمل في العمق أن ترى مستعمراتها السابقة حرة وسيدة على أراضيها وقراراتها.

أما بخصوص ملف الصحراء الغربية، فقد عبّرت الجزائر بكل صدق وشفافية عن تمسُّكها بالشرعية الدولية وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وهذا ما يضمن نهاية حقيقية لهذه المسألة، بينما اختارت باريس -خلافًا لمواقفها التاريخية الرمادية- الانحياز الوقح للموقف المغربي المخزني، في محاولة للضغط على الجزائر وعزلها إقليميًّا، وهو أمرٌ لم يتحقق البتة لأن الحسابات المبنية على العقلية الميكيافلية لا تؤتي ثمارها مع أصحاب المبادئ والقيم، خاصة في ظل توسيع الجزائر تحالفاتِها الدولية مع القوى الفاعلة في العالم التي تتعامل معها بندّية، ومع الدول الإفريقية التي باتت تنفض عنها الهيمنة الفرنسية الواحدة تلو الأخرى، لأنها أدركت أن فرنسا في هذه المرحلة ما يزال كثير من ساستها يفكرون بذهنية المستعمر المتطرف الوقح.

إن الجزائر اليوم، بفضل تضحيات الملايين من شهدائها ووعي شعبها ووطنية سلطتها ونضج دبلوماسيتها، لا تُرهبها هذه المناورات القذرة، ولا يُخيفها صراخ ساستهم ولا نباح إعلامهم، بل هي ماضية بثقة نحو تعزيز شراكات دولية أكثر اتزانًا وعدالة، مدركة أن زمن التبعية قد ولّى، وأنّ محاولة إحياء الاستعمار بثوب ناعم أو ضغط اقتصادي لن تُجدي نفعًا، مع جيل من الجزائريين يؤمنون إيمانا راسخا بأن الجزائريين قد ولدوا أحرارا وهم أسياد في اتخاذ قراراتهم السيدة من دون تبعية إلى أي جهة مهما تكن هذه الجهة… ورحم الله إمامنا الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي تنبّأ ببصيرته الربانية فقال: إن الاستقلال حقٌّ طبيعي لكل أمّة من أمم الدنيا، وقد استقلت أممٌ كانت دوننا في القوة والعلم، والمَنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدّعون علم الغيب مع الله، ويقولون إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد”. ثم يمضي بكل إيمان في تقرير هذه المعاني في معرض حديثه: “وليس من العسير، بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي(…) وتصبح الجزائر مستقلة استقلالا واسعا، تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر” [لإمام ابن باديس حياته وآثاره، جــ3. ص320-321].

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!