النّحر عند صنم “المنهج”!
حالة حشد واستنفار أعلنت هذه الأيام في أوساط التيار المدخليّ، شعارها: ((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاق))، بعد نشر فتوى تبيح الإنكار العلني على ولاة الأمر، أصدرها الدّكتور محمّد علي فركوس ونشرت على موقعه يوم السّبت الماضي، خالف فيها ما يعدّ ركيزة من أهمّ ركائز المنهج المدخليّ الذي يصنّف الإنكار العلنيّ على الحكّام وولاة الأمر مظهرًا من مظاهر الخروج! ويصنّف العلماء والدّعاة الذين ينكرون على الحكام علنا خوارجَ قعدية!
على الرّغم من أنّ الدّكتور فركوس كان متحرّزا في فتواه، حيث ربط جواز الإنكار العلنيّ على الحكّام بانتفاء المفسدة وأمن الفتنة، لكنّ كلّ ذلك لم يشفع له عند غلاة الجرح، حيث انطلقت الأقلام المدخلية -التي كانت قبل ذلك تعظّم الشيخ وتعدّه مرجعا في معرفة المنهج السلفي- تطعن فيه وتنكر خرجته التي رأت فيها انتحالا لمنهج القطبيين والحزبيين! وقد كان من أشهر الرّدود التي رصدها رؤوس هذا التيار في الدّاخل والخارج، كلمة ألقاها مدخليّ سودانيّ يدعى “مزمّل فقيري” وصف فيها الشّيخ فركوس بأنّه داعية حزبيّ ضالّ مضلّ، واتّهمه ضمنا بأنّه يقدّم كلام بعض العلماء والصّحابة على كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم! وهي الشنشنة التي يتمسّك بها دعاة التيار المدخليّ عندما يواجَهون بأقوال وأفعال السلف التي تخالف ما يؤصّلون له؛ حيث يتنصّلون من أصل هو أهمّ أصولهم على الإطلاق: “الكتاب والسنّة بفهم سلف الأمّة”، ليتّجهوا إلى ترهيب الأتباع بأنّ القضية عظيمة وخطيرة تتعلّق بمخالفة كلام المعصوم صلّى الله عليه وآله وسلّم، مع أنّ المخالفة هي لأفهامهم السقيمة وانتقائيتهم المقيتة التي يمارسونها على أحاديث النبيّ عليه الصّلاة والسّلام.
كلّما خالف مخالف منهج المداخلة في تجريح كلّ من يقول بجواز الإنكار العلنيّ على الحكّام، أشهروا في وجهه حديث “من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يُبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه”، مع أنّ هذا الحديث لا هو في الصّحيحين ولا هو متّفق على صحّته بين علماء الحديث، حتّى يكون أصلا يجرَّح من خالفه، إنّما هو حديث صحّحه الحاكم المعروف بتساهله في التصحيح، والألبانيّ المعروف عنه قلّة نظره في العلل الخفية، كما أنّ طُرق هذا الحديث لا يقوّي بعضها بعضا لأنّها متّحدة في موطن الضّعف، علاوة على أنّ أصل الحديث في صحيح مسلم لم ترد فيه هذه الزيادة؛ فقد رواه في كتاب “البرّ والصّلة والآداب” عن هشام بن حكيم بن حزام –رضي الله عنهما- أنّه مرّ بالشّام على أناس قد أقيموا في الشمس، وصُبّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذّبون في الخراج (لم يدفعوا ما عليهم من أجرة الأراضي التي يعملون عليها)، فقال: أشهدُ لَسَمِعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إنّ الله يعذّب الذين يُعذّبون النّاس في الدنيا”، فدخل على الأمير، فحدّثه، فأمر بهم فَخُلُّوا.. وهذا الحديث يدلّ ضمنا على جواز الإنكار على الحاكم علنا؛ فهشام بن حكيم، قبل أن يدخل على الأمير، أنكر فعله أمام النّاس، وبيّن جزاء من يقترف ما اجترحه، مع علمه بأنّ الأمير لا يمنع صحابيا من الدّخول عليه.
القضية ليست قضية خلاف سائغ يتمسّك فيه كلّ طرف بما ترجّح لديه، ويعذر الطّرف الآخر، لكنّها قضية هوى متّبع يجعل هؤلاء المتفرّغين لتجريح العلماء والدّعاة وتصنيفهم، يصرّون على تحكيم قاعدة تخصّصها أحاديث وآثار كثيرة، ويخصّصها تغيّر الواقع وتبدّل أحوال الحكّام والمحكومين، والأنكى من ذلك أنّهم يصرّون على إهمال الفقه الذي تُفهم به الأحاديث وتعرف مناطاتها.
مسألة الإنكار العلنيّ على الحكّام، ترتبط بتقدير المصالح والمفاسد، وبحال الحكّام، وبمدى ظهور وعموم أخطائهم، وليس من الفقه في شيء أن يقاس حكّام هذا الزّمان بالخلفاء الرّاشدين، ويستدلّ بآثار يُغضّ الطّرف عن سياقاتها، ومن ذلك استدلال بعض هؤلاء المجرّحة بحديث أسامة بن زيد –رضي الله عنه- حينما قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: “أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ولا أقول لأحد يكون علي أميرا إنه خير الناس”؛ فهذا الأثر يتعلّق بخليفة راشد، الأصل في سياسته الرّشد وتحرّي الحقّ وموافقة الشّرع، يَسمع النّصيحة وينتصح، بخلاف من يكون الأصل في سياسته المحاباة ومخالفة الحقّ ونبذ الشّرع، وهو فوق ذلك يغلق أذنيه ويوصد بابه أمام النّاصحين: قال الإمام النّووي -عليه رحمة الله- عند شرحه لحديث أسامة بن زيد السّابق: “وفيه الأدب مع الأمراء، واللّطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم ما يقول النّاس فيهم ليكفّوا عنه، وهذا كلّه إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار، فليفعله علانية، لئلا يضيع أصل الحق” (شرح صحيح مسلم).. ولأجل هذا بوّب الإمام مسلم -عليه رحمة الله- في صحيحه بابا عنوانه “وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشّرع وترك قتالهم ما صلّوا ونحو ذلك”، وأورد تحته حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنّ النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- قال: “ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع”. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: “لا، ما صلّوا”.. هذا الحديث يقطع الطّريق على أهل الإفراط والغلوّ الذين يتّجهون رأسا إلى الخروج والقتال، ويتسبّبون في إسالة الدّماء المعصومة، ويردّ على أهل التفريط الذين يميتون واجب إنكار المنكر بحجّة أنّ الإنكار لا يكون إلا سرا وأنّ الإنكار العلنيّ يؤدّي في كلّ الأحوال إلى إثارة الفتن والقلاقل، وأنّ مفاسده هي دائما أكبر من مفسدة السّكوت وترك الإنكار!
المصيبة التي لا يلتفت أتباع التيار المدخليّ إلى وقوعهم فيها، هي أنّهم جعلوا “المنهج” بديلا للدّين، يوالون ويعادون عليه، بل جعلوه صنما يذبحون عنده كلّ داعية خالف أصلا من أصول “المنهج” التي يُفترض أن تكون في أحسن أحوالها أصولا اجتهادية؛ فلا يشفع للدّاعية عندهم أن يكون من عباد الله المسلمين، ولا حتّى كونه من أهل السنّة، بل ولو كان أحد شيوخهم وحُداتهم على الطّريق قبل ذلك! وهذا تطرّف فكريّ يُنذر بتطرّف في الواقع يفوق في بعض الأحيان تطرّف الخوارج، لأنّ الحقد الذي تُملأ به قلوب أتباع هذا التيار على الشّيوخ والدّعاة المحكوم عليهم بمخالفة “المنهج” كفيل بتحيّن الفرصة والظّروف المواتية للتّنكيل بهم ونحرهم، بحجّة: “لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد”، كما حصل في ليبيا.