-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الهاتف المحمول.. النّعمة التي حوّلناها إلى نقمة

الشروق أونلاين
  • 7684
  • 13
الهاتف المحمول.. النّعمة التي حوّلناها إلى نقمة
الأرشيف

لعلّنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إنّ الهاتف المحمول نعمة من أعظم نعم الله التي أجزلها لعباده في هذا الزّمان، وذلّل لهم الحصول عليها وسهّل لهم استخدامها؛ امتلكه الغنيّ ولم يحرم منه الفقير، استخدمه المتعلّم ولم يستغنِ عنه الأميّ، حتى أصبح لا يكاد يخلو جيب في العالم من هذا الجهاز العجيب الذي ألغى المسافات، وكفى مُؤْنَةَ التنقّلات، وأنهى عهد مراسلات الأظرفة والطّوابع، وزحف على سوق الهاتف الثابت، وكاد يقضي عليه، وأصبح من السّهل على أيّ شخص أن يكلّم شخصا آخر في أي مكان من هذا العالم في الوقت الذي يريد، وأمكن في الهواتف المتطوّرة أن تكون المكالمة صوتا وصورة.

مسلمون استثمروا في الهاتف النقال لخدمة دينهم

استفاد المسلمون كغيرهم من شعوب الأرض من هذا الاختراع، وتفنّنوا في استخدام أرقى أنواعه، والاستفادة من مختلف خدماته؛ بدءًا بالمكالمات الصّوتية والرّسائل النصية، وانتهاءً بالمكالمات المصوّرة والتّطبيقات المتطوّرة.

وقد كان للغيورين على دينهم النّصيبُ الأوفر والحظّ الأوفى في الاستفادة من خدمات الهواتف المحمولة، واستغلالها في الدّعوة إلى الله ونشر الخير؛ فوضعوا مئات، بل آلاف التّطبيقات التي تعِين المسلم على الالتزام بدينه والارتباط بخالقه، وتذلّل له سبل الدّعوة إلى الله وكسب الحسنات؛ فظهرت البرامج القرآنية التي تسهّل قراءة وسماع القرآن، وتعلّم ترتيله ومعرفة تفسير عباراته، وترجمة آياته إلى لغات العالم، وظهرت برامج خدمة السنّة التي تجمع العشرات من كتب الحديث مع شروحها، وتطبيقات الصّلاة التي تُعنى بتوفير أوقات الصّلاة في مئات الآلاف من مدن العالم، إضافة إلى خدمة تحديد القبلة والتّنبيه عند دخول وقت الصّلاة، وتحويل الهاتف إلى الوضع الصّامت، وتطبيقات الزّكاة التي تُعنى بتحديد أنصبتها وحساب مقاديرها، وتطبيقات الحجّ التي تعنى بإيضاح مناسكه بالصّور والمقاطع المرئيّة، كما ظهرت العشرات من البرامج التي تعنى بالسّيرة وفقهها، وأخرى تعنى بالأدعية والأذكار والرّسائل الدعوية، وأخرى تُعنى بتوفير الأناشيد الهادفة والنّغمات الإسلامية المؤثّرة، ناهيك عن التّطبيقات التي تسهّل الوصول إلى القنوات والإذاعات والمواقع الإسلامية، وتربط المسلم بمواقع خدمات الجوّال الإسلامي التي تبعث إليه     بانتظام الرسائل النافعة والتلميحات المؤثّرة، مثل: الجوّال الدّعوي، جوّال الخير، جوّال زاد، وجوّال نور…

كلّ هذا الخير العميم أصبح بإمكان كلّ مسلم الوصول إليه عن طريق برامج التسوّق المعروفة (Play Store نموذجا)، ليحوّل هاتفه إلى واحة من الخير، ومتجر يربحه قناطير الحسنات يوميا؛ يصل به رحِمه، ويسأل عن إخوانه، ويتودّد إلى خلاّنه، ويذكّر نفسه ومن تربطه بهم صلة بواجباتهم الدينية ويعينهم على الالتزام بها، ويحثّهم على طاعة الله واجتناب معصيته، ويتواصى وإياهم بالاستقامة على دين الله والثّبات عليه.

ورُبَّ رسالة قصيرة تحمل كلمات قليلة تحثّ على الخير، يبعث بها المسلم إلى أحد أصدقائه، لا يُلقي لها بالا، تنتشر بين عشرات ومئات الأشخاص، ويكتب الله بها الصّلاح لمن شاء من عباده، وتكون ذخرا للعبد الذي كتبها، وسببا لفلاحه في الدّنيا ونجاحه في الآخرة: يقول نبيّ الهدى (ص): “إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنّة”.

 

.. وآخرون حوّلوه إلى نقمة

المتأملّ لواقع المسلمين يجد أنّ كثيرا منهم قد زهدوا في هذا الخير المنشور والميسور، وحوّلوا هواتفهم المحمولة إلى وبال عليهم وعلى غيرهم، وسخّروها في جمع السيّئات والآثام، وفي إلحاق الأذى والحرج بغيرهم، فكثير هم المسلمون الذين شحنوا هواتفهم المحمولة بقاذورات الأنترنت، من أغان تافهة ومقاطع إباحية وصور ساقطة، تَشحن النّفوس وتوقظ الغرائز وتغري بارتكاب الفواحش وغشيان الموبقات، وربّما تجد منهم من لا يتورّع في المباهاة بتلك القاذورات أمام النّاس، ويحاول إسماعهم شيئا ممّا يلوّث به أذنيه من أغان شرقية غرامية أوغربية صاخبة، وربّما يختار لهاتفه النقّال نغمة يعبّر بها عن نزوات نفسه، ويدخل به المسجد ويرنّ أثناء الصّلاة، ويضطرّ عباد الله المصلّين لسماع أغان سجّلت في الملاهي والحانات!

وبعض هؤلاء الذين لا يتورّعون في اختيار الموسيقى الصّاخبة أو الأغاني الغرامية أو الغربية نغمات لهواتفهم، ما عادت تردعهم الملصقات التي تعلّق في المساجد وتذكّر المصلّين بإغلاق هواتفهم، وما عاد يعنيهم تنبيه كثير من الأئمّة إلى لزوم إغلاق الهواتف قبيل تكبيرة الإحرام.

بعض الشّباب لم يكفهم أنّهم حوّلوا هواتفهم إلى مستودعات لنفايات الأنترنت، ولم تكفهم عبوديتهم لنزواتهم، حتى رضوا لأنفسهم أن يكونوا جندا لإبليس، يسخّرون هواتفهم في الدّعوة إلى الرّذيلة، ويشغلون أوقاتهم بنشر وتبادل الموادّ الإباحية التي يحمّلونها من الأنترنت، متناسين أنّ الكلمة الواحدة يمكن أن تهوي بصاحبها في جهنّم، فكيف بكلمات؟ وكيف بصور ومقاطع وأغان تفعل في النّفوس ما لا تفعله الخمور والمخدّرات؟ يقول نبيّ الهدى (ص): “وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنّم”.

صنف آخر من الشّباب لم يقفوا عند حدّ التجرّد من قيم دينهم، حتى تمادى بهم الأمر إلى التجرّد من قيم المروءة والرّجولة، فتجد الواحد منهم لا شغل له إلا محاولة الإيقاع ببنات المسلمين، وجرّهنّ إلى مستنقع المجون الذي يسبح فيه؛ يشكّل الأرقام العشوائية، ويتّصل في أوقات متأخّرة من اللّيل، علّه يعثر على فريسة أحلامه التي يقتل معها أوقاته ويستدرجها إلى عالمه الموبوء، متعلّلا بالبحث عن فارسة الأحلام وزوجة المستقبل، متظاهرا بأنّه رجل شريف من أسرة شريفة! فإذا ما أسلمت له عواطفها ووقعت في حبائله، ساقها حيث شاء، حتى إذا ملّ منها تركها إلى غيرها، وربّما يحدث وتكون المتّصَل بها امرأة متزوّجة هانئة في مملكتها سعيدة مع زوجها، فيحوّل حياتها إلى جحيم ويتسبّب في طلاقها وخراب بيتها، وربّما يكون المتّصَل به رجلا أخلد إلى النّوم بعد يوم كامل من التّعب والنّصب واللّهث خلف لقمة العيش، فيوقظه هذا الطّائش ويتبادل معه عبارات السبّ والشّتم، وربّما يتجرّأ فيطلب منه أن يمكّنه من الحديث إلى ابنته!

هذه الظّاهرة لم تعد حكرا على الشّباب، بل أصبحت ملاذا لكثير من الفتيات الغافلات على اختلاف مستوياتهنّ، من الأمية إلى الجامعية؛ ممّن لا تتورّع الواحدة منهنّ عن تشكيل الأرقام العشوائية، بحثا عن غافل مثلها تمضي معه أشهرا أو سنوات من عمرها، ثمّ تتركه إلى غافل آخر، وربّما تتسبّب بطيشها في خراب كثير من الأسر وانحراف كثير من الشّباب من حيث شعرت أم لم تشعر، فيكون الهاتف المحمول نقمة عليها وعلى من سعت في إفسادهم.

 

لابدّ من إعطاء الموضوع حقّه

 

لأجل كلّ هذا، كان لزاما على الأئمّة والخطباء في هذا البلد أن يعطوا هذا الموضوع الخطير حقّه، ويبسطوا الحديث فيه، ويضعوا أيديهم على الجرح النّازف، ويصفوا العلاج النّاجع، ويحذّروا الشّباب من هذا المسلك الخطير ويذكّروهم بالله العليم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وينذروهم عاقبة وعقوبة السّعي في إشاعة الفساد والفاحشة بين عباد الله المؤمنين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • الواقع المر

    اشكر لك هذا التعليق الذي هو الحقيقة

  • البونباردي

    عندما كنت في الجامعة في إحدى الدول الغربية قدم لي أستاذ يهودي رسالة ماجيستر عنوانها دراسة أثر الهواتف النقالة على الأذن و المخ بتحاليل رياضية بحته فرفضت و للعلم لم أملك لحد الآن ولا هاتف نقال ما زلت إنسان قديم بدائي والعبرة في خواتمها يعني بعد عقد أو عقدين سنرى زحمة في المستشفيات خصوصا من يستعمله بكثرة فحذاري ثم حذاري إياكم و الإستعمال المفرط

  • حسين

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته نسال الله ان يحفظ صاحب هدا المقال وان يديم له صحته و عافيته و ان يجازيه خيرا

  • fares

    من خرج البورتابل حرمت الزواج

  • shakira

    من الخطا استعمال القران في الهاتف الدي يمكنه ان يرن في اي مكان و ان يقطع الاية القرانية فمن اراد الاستماع للقران قراه من المصحف اما لاعماله الابليسية فيبقى هدا دوركم كاعلاميين من خلال كشف حكايا افخاخ الهاتف من نشر الصور و الفيديو حتى الانترنيت و تسجيل المكالمات و مكبر الصوت كبحا لانتشار الرديلة بالرغم من ان متعاملي الهاتف من يمنحون خطوطا مجانية للتحدث من 00 الى 6 صباحا هم قنابل هته الضاهرة فالهاتف من ايجابياته الرسائل و استعماله للاستعجالات و بقيمة محدودة .

  • بدون اسم

    الحمد لله املك اخر سيحات التكنولوجيا لكني استعملها في ما يرضي الله

  • ABED

    نحن المسلمين أخذنا العلوم و التكنولوجيا الأسوء منها لا نعرف كيف نستعملها ولا حتى التحكم فيها

  • سفيان

    نحن أبناء الشعب نشكر في الشروق هذا التوجه لإعادة البناء، فالعولمة فعلت فعلتها.

  • الشاوي

    المحمول نعمة ونحن العرب نقمة عليه

  • جزائري مقيم في

    الحمد لله على هذه النعمة التي جعلت عائلتي وخاصتا امي مطمئنة علي بحيث كل يوم احدثها صوتا وصورة

  • بدون اسم

    إذى ستعملته بعقلانية لاتصاب بسرطان ولا وجع الراس وإذى كان تلصقو مع وذنك منين إطلع ربي النهار وحتى تتمسى الدنيا فهذى شيئ طبيعي أن تصاب بكل الأمراض إستعمل هاتفك بعقلانية وستتجنب المرض.

  • فاعل خير

    إن الذين سبقونا في التكنولوجيا عرفوا جيدا أن عليهم السعي لضمان الإنتشار الواسع لكل إحتراع يمسكون بزمام تبعاته فالهاتف النقال ، الحاسوب و الألواح قد أصبحت جزء من الشخصية و انتشرت كالنار في الهشيم و ليس حبا فينا فالقصد تجاري محض
    و هنا يكمن التحدي إذا إستطاعت أمة أن تقدم منتوج يجعل من الإنسانية أتباع له فهنيأ لها أن تقود العالم لما تبقى من العمر

  • بلال

    الهاتف النقال نعمة ؟ و الاورام السرطانية التي يحدثها ؟ و و و ...