الهجرة.. مشكلة من يا ترى؟ (الجزء الاول)
تشهد أوروبا في هذه الأيام موجات المهاجرين التي تمطر حدودها بشكل ملفت للنظر وبالمقابل فإننا نرى فقد اليمين الأوروبي يشهر سكاكينه محذرا من أن الكيان الأوروبي مهدد في هويته الثقافية، والاجتماعية، والسياسية وفي مسيحيته، وينكر هذا اليمين المتطرف حقيقة دامغة والمتمثلة في أن ظاهرة الهجرة هي من صنع الغرب الاستعماري في بداياتها الأولى، كما أنها نتاج لاستحواذ أوروبا على الثروات التي نهبتها في الفترة الكولونيالية، وهي أيضا ثمرة لعرقلة الغرب للتنمية بطرق مختلفة في بلدان العالم الثالث في مرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي فضلا عن التورط في إشعال وتغذية الحروب ذات الطابع الإثني والطائفي وهلم جرا.
ففي هذا المقال أستبعد الخوض في تفاصيل التحليل الكرونولوجي لتاريخ الهجرات بشكل عام والهجرات من بلداننا إلى أوروبا / الغرب بشكل وأكتفي بالإشارة فقط إلى بعض الحالات القليلة واستعراضها بانتقائية غير متحيزة وبسرعة كنماذج لأن هذا الموضوع شائك، وشاسع جدا ويحتاج فعلا إلى مجلدات وإلى متخصصين لإعطائه حقه من الدراسة العلمية الرصينة. وهكذا سأكتفي إذن بإثارة بعض أهم القضايا والمشكلات التي تطرحها الهجرة المعاصرة من منظور نقدي كولونيالي وما بعد كولونيالي الذي أعتقد أنه سيساعدنا على الشروع في تهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة جدية قصد دراسة جوانب مهمة من ظاهرة الهجرة وما يتصل بها من البنيات المادية، والثقافية، والنفسية العميقة التي تخفي في طياتها الكدمات والتمزقات التي تسببها ظاهرة الهجرة واللجوء والمنفى وما يشتق ويصدر عنها من التأثيرات السلبية التي تعصف بحياة المهاجرين والمهاجرات واللاجئين واللاجئات والمنفيين والمنفيات. أشدَد هنا ضرورة استخدام هذا المنظور لأنه الأكثر نجاعة في إدراك وفهم ومن ثم تفكيك اللحظة الكولونيالية وتداعياتها في مرحلة ما بعد الكولونيالية لأنها اللحظة التي أسست للهجرة الحديثة ولتداعياتها في صورتها المعاصرة الأكثر زخما بشريا، وعنفا ثقافيا، وتباينا في المفاهيم والممارسات الدينية.
إن الدليل على هذا هو أن الهجرات من شمال إفريقيا إلى أوروبا وأمريكا قبل المرحلة الكولونيالية كانت إما فردية أو تقتصر على جماعات مجهرية جدا باستثناء (حالة الأندلس). إن الهجرات القديمة، العمالية والطلابية الفردية وشبه الجماعية القليلة جدا، لم تأخذ شكلا إقامة دائمة (شبه استيطانية) بتعداد بشري ضخم كما هو الوضع الآن. إنني أتجنب الخوض في تقصي هذا البعد الكرونولوجي للهجرة لأنها قضية معقدة جدا وهي ليست ظاهرة حديثة أو معاصرة فقط، وإنما هي قديمة أيضا وتشهد على ذلك الهجرات البشرية – على مستوى الأفراد والجماعات في المجتمعات البدائية في العصور القديمة – من فضاء جغرافي أصلي إلى استيطان فضاء أخر لأسباب كثيرة ذات طابع اقتصادي، أو صحي، أو مناخي، أو ديني، أو حربي وهلم جرا.
وفيما يلي سرد انتقائي سريع لبعض نماذج الهجرات التي سجلها التاريخ، وبهذا الخصوص نجد المفكرة البلغارية الأصل والفرنسية الجنسية جوليا كريستيفا ترصد هذا الموروث المتعدد والمتنوع تاريخيا في كتابها الموسوم “غرباء عن أنفسنا _ 1991م” مما مكَنها من إدراك: “أن الغرباء / الأجانب الأوائل المذكورين في التاريخ الغربي كانوا نساء ويظهر ذلك في الأساطير الإغريقية وخاصة في تراجيديات المسرحي الإغريقي “أسخيلوس” وبالضبط في مسرحيته التي تحمل عنوان “المتضرعات”. وفقا لهذه المسرحية، وكما تقرأها كريستيفا تاريخيا، فإن النساء المدعوات بـ(الدانيات) الأجنبيات قد جئن من مصر إلى بلاد الإغريق وأنّ مشكلة اللامنتمي التي طرحتها هجرتهنَ مرتبطة بالاختلاف الجنسي. وفي هذا المقام تشير جوليا كريستيفا إلى أنَ التحريم الجنسي ضمن العائلة الواحدة في مصر القديمة الذي تكشف عنه الأسطورة الإغريقية لا يزال أمرا واقعا تعيشه حتى المجتمعات المعاصرة. في هذا السياق أيضا تعلمنا جوليا كريستيفا “أن النساء (الدانيات) كنَ غريبات / أجنبيات لسببين: أولهما أنهن جئن من مصر، وثانيهما أنهن كنَ مقاومات للزواج من رجال عائلتهن”.
بالنظر إلى هذا النموذج التاريخي لظاهرة الهجرة فإنه يمكن لنا أن نقول بأن قضايا المهاجرين، واللاجئين والمنفيين هي قضايا موغلة في عمق التاريخ البشري مثلها مثل قضية تكَون وصيرورة الذاتيات. أما في العصر الحديث، وكما هو معروف، فإن ظاهرة الاستعمار الغربي الكلاسيكي لبلدان العالم الثالث قد لعبت دورا حاسما في ميلاد جزء آخر من ظاهرة الهجرة والمنفى الحديثين في المشهد العالمي.. وإذا نظرنا إلى فترات تاريخية أبعد بعدة قرون فإن الدراسات التاريخية تؤكد لنا أن 13 مليونا من السود الأفارقة، منهم الرجال والنساء، قد اقتلعوا من بلدانهم الإفريقية الأصلية ومن بيئاتهم الثقافية واللغوية والحضارية من طرف الأوروبيين ومن تعاون معهم من داخل القارة الافريقية نفسها وحولوا إلى عبيد بعد قلعهم من جذورهم وتهجيرهم بالقوة إلى أوروبا وأمريكا وإلى جزر منطقة بحر الكاريبي. وزيادة على هذا فإن اكتشاف قارة أمريكا قبل ترحيل السود الأفارقة وتحويلهم إلى عبيد قد أدى إلى هجرة مالا يقل عن 60 مليون نسمة من الفضاء الأوروبي وحده إلى ما يسمى بالعالم الجديد.
أما إذا تأملنا مشهد الكولونيالية وتداعياتها المعاصرة فإن نموذج ما حدث للهند وتسبب في الهجرة والتهجير يمثل إحدى المآسي الكبرى في التاريخ، وبهذا الخصوص فقد سجلت الكتب التاريخية أن تقسيم بريطانيا للهند، مثلا، في عام 1947 م، وما نتج عن ذلك فيما بعد من تمزيق لهذا البلد وتأسيس لباكستان الشرقية والغربية على أنقاض الهند القديمة الكبرى، قد أدى إلى تهجير مليون نسمة من مسلمي الهند إلى باكستان، و10 ملايين نسمة من باكستان إلى الهند الأمر الذي فجَر في شبه القارة الهندية الكثير من المآسي العائلية والأزمات السياسية التي لا تزال عالقة ومؤثرة إلى يومنا هذا بما في ذلك أزمة منطقة “كاشمير” المقسمة وشعبها المسلم المقسم بين الهند وبين باكستان، والتي تنذر باحتمال اندلاع حرب نووية خطرة بينهما في أي لحظة.
بالإضافة إلى ما تقدم من نماذج للهجرات والتهجير فإن تفاقم الحروب بين الدول بسبب النزاعات المختلفة، فضلا عن الحروب الأهلية هنا وهناك، وكثرة الأنظمة الديكتاتورية، والانقلابات العسكرية، ونشوب الصراعات السياسية والطائفية والاثنية في عالمنا المعاصر قد نتجت عنها جميعا ظواهر اللاجئين، والمنفيين والمهاجرين. وهكذا نجد الإحصائيات المتداولة راهنا في مراكز الدراسات الدولية، وفي أروقة هيئات الأمم المتحدة تقدر عدد اللاجئين بما فيهم المنفيون بأكثر من 20 مليون نسمة إلى جانب أكثر من 25 مليونا من النازحين المنتشرين في أصقاع العالم. بالإضافة إلى هذه النسب التقريبية التي توصف بأنها اختزالية وتبسيطية فإن نسبة النساء والأطفال من هؤلاء الضحايا تقدر بــ 80٪.
في ظل هذا المناخ الدرامي المؤلم، وبسبب بروز التيارات اليمينية العنصرية في الغرب، وظاهرة “الحراڤة” من بلدان الجنوب إلى بلدان الشمال، إلى جانب تفاقم أحداث ما يسمى بالإرهاب فقد أبرزت إلى السطح أزمات حادة في عالمنا المعاصر هزت ولا تزال تهز العلاقات بين الشمال والجنوب بشكل خاص، والعلاقات الدولية بشكل عام وفي صلبهما ظاهرة الهجرة، كما أنها قد خلقت ولا تزال تخلق صدامات وقودها الثقافة، والدين، والعرق، والاثنية. وبالمقابل فقد أصبح النقاش حول مفاهيم – “المهاجر” و”الغرابة”، و”الغريب” و”الخارجي غير المألوف” و”الدخيل” و”الملوَنين والملوَنات”، و”الغيرية / الآخرية”، و”الاختلاف” و”التعددية الثقافية والعرقية”، و”العنف المادي” و”العنف الرمزي” و”الأصولية الدينية” – خلافيا وساخنا ومفتوحا دائما على مصراعيه في كل من فضاء الدول الغربية التي تحوّلت إلى بقع تستهدفها الهجرة، و في البلدان التي يتدفق منها المهاجرون والمنفيون واللاجئون على حد سواء.