الرأي

الهدنة المسمومة وعودة شبح الحرب

بقلم:  لعلى بشطولة
  • 341
  • 0

رغم التصعيد الخطابي الإسرائيلي الأخير وما رافقه من أوامر بالاستعداد العسكري، لم تُعلن إسرائيل رسميًّا استئناف العمليات العسكرية الواسعة حتى الآن. ما صدر عن نتنياهو ووزير الدفاع هو تهديدٌ واضح بالعودة إلى القتال إذا لم تُسلِّم حركة حماس ما تبقّى من رفات الرهائن خلال المهلة المحدَّدة، وسط صعوباتٍ ميدانية حقيقية تعيق التسليم نتيجة الدمار الهائل ونقص المُعدّات.

أما ترامب، فقد استخدم لغة وعيدية مباشرة، رابطًا تنفيذ المرحلة الثانية من خطته بنزع سلاح حماس خلال 72 ساعة، لكنه عاد وأوضح أنه لن يرسل قوات أمريكية إلى غزة، بل قد يمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف الحرب إذا تعثّر التنفيذ.
من ثم، فإن توصيف الوضع بأنه “استئناف فعلي لحرب الإبادة” يتجاوز ما ثبُت ميدانيًّا حتى الآن، مع بقاء احتمالية العودة للقتال قائمة بجدية شديدة.

بين خطاب الكنيست وضجيج الميدان

في الثالث عشر من أكتوبر، وقف دونالد ترامب تحت قبة الكنيست الإسرائيلي ليعلن أمام جمهورٍ مهلّل أن “الحرب انتهت”، وسط تصفيق حادّ لم يخلُ من نبرة استعلاء. كان ذلك الإعلان بمثابة تتويج لمؤتمر شرم الشيخ الذي قدِّم على أنه “قمة السلام التاريخية”. لكنّ التاريخ يعرف جيدًا أن الكلمات المنمَّقة لا تُنهي الحروب، وأن التصفيق لا يُنقذ الأرواح.

جاءت “خطة ترامب” لتقدّم لنتنياهو هدية سياسية: استعادة الأسرى الأحياء مقابل وقف مؤقت، من دون التزامٍ حقيقي بأي مسارٍ سياسي. الآن، ومع تعثّر مرحلة الرفات، تعود الرواية القديمة: “حماس تخرق الاتفاق… إسرائيل تدافع عن الحضارة”.
يا للمفارقة: من دمّر 95% من مباني القطاع، وقتل أكثر من 70 ألفًا، نصفهم من الأطفال والنساء، يتحدث اليوم باسم “الحضارة” ضد “الهمجية”!

في غزة، لم يكن هناك صدى للخطاب سوى صمتٍ مشوب بالخوف؛ صمتُ الأنقاض التي تُخفي تحتها أجساد الآلاف، وصمتُ العائلات التي تنتظر استلام رفات أحبّائها وسط الحطام، وصمتُ هدنةٍ ملوَّثة بالتهديدات، ومحاطة بألغامٍ سياسية وعسكرية، وجاهزة للانفجار عند أول خلل في الجدول الأمريكي ـ الإسرائيلي.

صورة بلا مضمون

منصة مؤتمر شرم الشيخ بدت كمسرحٍ مدروس الإضاءة والتموضع: ترامب في المنتصف، السيسي إلى اليمين، نتنياهو إلى اليسار، وصفٌّ طويل من قادة العرب والعالم يتبادلون الابتسامات، كما لو أن المشهد مستعار من فيلم سياسي رديء الإنتاج.

كانت الرسائل موجَّهة بعناية إلى الرأي العام الدولي: “نحن نطوي صفحة الحرب ونفتح صفحة السلام… العالم معنا”.

لكن خلف الكواليس، كان جدول التنفيذ يحمل شروطًا قاسية: تسليم الأسرى الأحياء، ثم تسليم الرفات، ثم نزع السِّلاح، ثم مفاوضات سياسية مفتوحة لا سقف زمنيًّا لها. أي أن “الهدنة” ليست سوى وقف مؤقت لإعادة ترتيب أوراق الضغط.

ولأن غزة لا تمتلك جرافاتٍ متطورة ولا أنظمة ميدانية لاستخراج الجثامين من تحت الركام، فإن المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية صُمِّمت لتكون فخًّا موقوتًا: عند أول تأخير، تُوجَّه أصابع الاتهام إلى حماس، وتُشرَّع الأبواب لعودة القصف تحت ذريعة “عدم الالتزام”.

شراكة في ابتكار السرديات

منذ بداية العدوان، كان نتنياهو يبحث عن مخرج يُبقيه في السلطة ويؤجِّل محاكماته. ومنذ عودة ترامب إلى المشهد، وجد الرجلان في بعضهما مرآةً سياسية متبادلة: الأول يحتاج إلى نصرٍ وهمي، والثاني إلى مسرحٍ خارجي يعوّض به تراجع نفوذه الداخلي.

في هذا السياق، جاءت “خطة ترامب” لتقدّم لنتنياهو هدية سياسية: استعادة الأسرى الأحياء مقابل وقف مؤقت، من دون التزامٍ حقيقي بأي مسارٍ سياسي. الآن، ومع تعثّر مرحلة الرفات، تعود الرواية القديمة: “حماس تخرق الاتفاق… إسرائيل تدافع عن الحضارة”.

يا للمفارقة: من دمّر 95% من مباني القطاع، وقتل أكثر من 70 ألفًا، نصفهم من الأطفال والنساء، يتحدث اليوم باسم “الحضارة” ضد “الهمجية”!

العرب: حضورٌ جسدي وغياب سياسي

العديد من الزعماء العرب جلسوا في قاعة المؤتمر ولم يصدر عنهم موقفٌ واحد واضح تجاه الانتهاكات الإسرائيلية أو تجاه الشروط المجحفة التي فرضها ترامب. بعضهم اكتفى بالتقاط الصور، والبعض الآخر فضّل الصمت المطبق وكأنه يشارك في مهرجان علاقات عامة لا في لحظة مفصلية من التاريخ العربي.

هذا الغياب السياسي العربي ليس جديدًا، لكنه هذه المرة يجري على خلفية واحدة من أخطر التحولات الجيوسياسية في المنطقة: تثبيت واقع غزة المدمّرة كـ“مختبَر سياسي” لفرض معادلات جديدة على حساب الفلسطينيين، تمهيدًا ربّما لمرحلة استهداف إيران لاحقًا، كما لمَّح ترامب في خطابه.

احتمالات مفتوحة

الهدنة الحالية لا تستند إلى ضمانات حقيقية ولا إلى آليات تنفيذ مستقلة. الوسطاء العرب والأتراك والقطريون فقدوا أدوات الضغط، بعدما سلّموا أوراقهم الرئيسية للولايات المتحدة. وفي ظل هذا الوضع، تبدو العودة إلى القتال خيارًا قائمًا في كل لحظة، خصوصًا إذا قررت إسرائيل استثمار “تعثّر الرفات” لتبرير ضربات جديدة.

السيناريو الأقرب: تصعيدٌ تدريجي، عمليات اغتيال محددة، تشديد الحصار، ثم موجة قصف مركَّزة تسبق أي انتخابات إسرائيلية أو أمريكية قادمة. أي أن “السلام” قد لا يكون سوى استراحة تكتيكية قبل جولة جديدة من الدم.

مقالات ذات صلة