الشروق العربي

الهروب إلى السجن.. جزائريون يتعمدون دخول قضبان الزنزانة

ليلى حفيظ
  • 2173
  • 0
بريشة: فاتح بارة

السجن وسيلة عقابية وتقييد للحرية، يستبسل الجميع لتفادي الدخول إليه باحترام القانون. ولكن، في بعض الحالات الشاذة، هناك من يرى فيه المأوى والملاذ الآمن، فيستميت ويجتهد متعمدا الوصول إليه، في حالة تسمى بالهروب إلى السجن، يقوم فيها البعض بارتكاب مخالفات قانونية عمدا لدخول قضبان الزنزانة، احتماء من تهديدات خارجية، أو فرارا من ظروف معيشية أو اجتماعية صعبة. والأكيد، أن أكثر الناس هروبا إلى السجن هم نزلاؤه السابقون، الذين يُعاودون ارتكاب جرائمهم متعمدين، للعودة إلى قضبانه، بعد تعودهم على نمط العيش فيه، وعجزهم عن التأقلم خارجه، خاصة في مرحلة إصابتهم بما يسمى بمتلازمة ما بعد الحبس أو صدمة الإفراج.

الهروب إلى السجن موضة مستوردة

في إيطاليا، قام رجل بالهروب إلى السجن، فرارا من الإقامة الجبرية مع حماته، حيث تعمّد الاعتداء بالضرب على شرطي ثم طلب من السلطات الأمنية اعتقاله. وفي اليابان، يعمد الكثير من المسنين الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة، إلى خرق القانون عمدا، لدخول السجن، الذي يضمن لهم ثلاث وجبات في اليوم وفراشا للنوم. وفي أمريكا والمكسيك، يتعمد الكثير من رجال العصابات دخول للسجن، لتصفية حسابات مع نزلاء فيه، أو لعقد صفقات مشبوهة. والظاهر، أن هذه الموضة امتدت إلى مجتمعنا، الذي صرنا نسمع فيه عن حالات لأشخاص يسعون ليكونوا رهن الاعتقال والحبس. كما يقول السيد عمار حمديني، محام معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة والمحاكم العسكرية، ورئيس الهيئة المدنية لإدماج ذوي السوابق العدلية والوقاية من العود، الذي يؤكد أنه: “مثلما هنالك سجناء يحلمون بالإفراج ويبحثون عنه، هناك أشخاص أحرار يسعون لدخول السجن، لدوافع وظروف اجتماعية، اقتصادية، أمنية، كالفقر والعوز، انعدام المأوى، التفكك الأسري، البطالة، الحاجة إلى المتابعة الصحية، استحالة اندماج بعض المفرج عنهم في المجتمع.. كل هذا، وأكثر، يدفع بالكثير إلى تعمد ارتكاب جرم أو عمل مخالف للقانون، يكون مناسبا لهم من حيث مدة محكوميته،كاستهلاك المخدرات، الضرب والجرح العمدي، الاعتداء على الأقارب.. إلخ، ليتم اعتقالهم والزج بهم في السجن، الذي يعد بالنسبة إليهم ملاذا يهربون إليه من عدة ظروف صعبة.”

جرائم موسمية

كما يشير السيد حمديني إلى أنماط أخرى من حالات الهروب إلى السجن، يعمد فيها بعض المشردين الذين لا مأوى لهم، إلى خرق القانون عمدا، بحلول فصل الشتاء، ليدخلوا السجن خلاله، ثم يخرجوا بانتهائه. وهي التي تطلق عليها الدكتورة بركو مزوز، مديرة مخبر التطبيقات النفسية في الوسط العقابي، ورئيسة مجلة دراسات في سيكولوجية الانحراف بجامعة باتنة 1، تسمية الجرائم الموسمية، فتحكي لنا عن حادثة من هذا النوع شهدتها في أثناء تواجدها بمكتب مدير إحدى المؤسسات العقابية، لإنجاز دراسة أكاديمية، حيث تناهى إلى سمعهما، كما تقول: “صوت بلبلة في الخارج، وحينما استطلعنا الأمر من النافذة، شاهدنا شخصا يحاول تمزيق وفتح دواليب وعجلات سيارة أمنية مركونة بالقرب من الحبس.. ولكن، الذي بدا جليا، أنه كان يريد جلب انتباه رجال الشرطة، الذين تعاملوا معه بلطف وحنكة، وطلبوا منه الانصراف، مؤكدين له أنهم لن يُحققوا مُراده باعتقاله وإدخاله السجن مرة أخرى. وحينها، أخبرني مدير السجن بأن هذا الشخص مسبوق قضائيا، لا مأوى ولا مُعيل له. لهذا، اعتاد بحلول الشتاء ارتكاب مخالفات قانونية عمدا، ليدخل الحبس، ضمانا للمأكل والمشرب والمهجع الدافئ.”

الاحتماء بقضبان الزنزانة

كما يوضح المحامي حمديني، أن هناك من يفرّ إلى السجن هروبا من تهديدات خارجية. فيحتمي بأسوار الزنزانة من عصابات أو مجموعات إجرامية تلاحقه، أو من تصفية حسابات..

وعن حادثة من هذا النوع، تحكي لنا ضابطة شرطة بأمن ولاية بومرداس، ما فعله شاب مراهق، في 19 عاما من عمره، قصد مكتبها ذات مرة، بمفرده وبكامل إرادته، ليضع أمامها قطعة زطلة، طالبا منها اتخاذ كافة الإجراءات القانونية المترتبة على حيازته تلك الكمية من المخدرات.. ومن ثم اعتقاله وإدخاله السجن.. “ورغم كل المحاولات التي بذلتها معه- تقول محدثتنا- لاستدراجه في الكلام، كي يبوح لي بالسبب الذي يدفعه إلى الهروب إلى السجن، إلا أنه أبى الاعتراف وأصرّ على وصم نفسه بتهمة الحيازة والاستهلاك، ما اضطرني إلى اتخاذ الإجراءات القانونية الواجبة ضده. ولكنني فهمت أنه أراد دخول السجن هروبا من تهديدات خارجية عجز عن مجابهتها”.

صدمة الإفراج

لقد أثبت علماء النفس والإجرام أن السجون تترك آثارها على نزلائها، الذين يتأقلمون مع بيئتها إلى درجة يصعب عليهم بعدها استئناف حياتهم الطبيعية خارجها. فيتخوفون ويرفضون أحيانا الخروج من الزنزانة. وقد يصاب بعضهم باقتراب انتهاء محكوميتهم بما يسمى بمتلازمة ما بعد الحبس أو صدمة الإفراج. وهي الحالة التي يخشى فيها السجين استرداد حريته، فيصيبه القلق والتوتر كلما اقترب موعد إطلاق سراحه. وتفسر الدكتورة مزوز بركو ذلك “بعدم تأقلم الكثير من المفرج عنهم مع المتغيرات المجتمعية، التي حدثت أثناء فترة قبوعهم في السجن، مع غياب الدعم الاجتماعي، والتأمين الصحي، وغيرها من البواعث الداخلية التي تدفع بهؤلاء إلى العودة طواعية إلى المؤسسات العقابية، هروبا من عدم قدرتهم على الاندماج خارجها.”

كما تؤكد محدثتنا أنه أثناء إنجازها دراسة ميدانية حول النساء المجرمات “لمست عدم رغبة الكثير من السجينات في مغادرة الحبس، خوفا من الوصم بدخوله وعدم المساندة والشعور بالخزي.. حتى إن إحدى السجينات أكدت لي أنه حينما سيطلق سراحها، سوف تحاول العودة إلى السجن بطريقة أخرى، لأنه لا أحد سيستقبلها أو سيتقبلها في المجتمع الخارجي.”

ويذكر لنا الأستاذ حمديني، في هذا الإطار، حالة لمسجون استكمل دراسته بإحدى المؤسسات العقابية، حيث تحصل على الكثير من الشهادات. وأصبح يُدرّس المساجين هناك. ومع اقتراب موعد إطلاق سراحه، أصيب بمتلازمة الإفراج، حيث راح يطلب من إدارة الحبس إبقاءه هناك، لكونه تعوّد على نمط العيش بالوسط العقابي، وصار متخوفا من عدم التأقلم مع المجتمع الخارجي أو عدم تقبله له. وطبعا، شخص كهذا، لا نستبعد ولن نستغرب خرقه القانون عمدا مرة أخرى، هروبا إلى السجن.”

القانون لا يأخذ بالنيات

وطبعا، هؤلاء الهاربون إلى السجن لا يُعذرون بنياتهم. فالقانون لا يأخذ بالنوايا، وإنما يُحاسب على الفعل الخارق له. كما يوضح الأستاذ حمديني، الذي يُشدد على ضرورة اتخاذ جملة من التدابير لمحاربة حالات الهروب إلى السجن أو العودة الطوعية إليه، ومنها كما يقول: “إجراء دراسات في علم النفس وعلم الإجرام بالتعاون مع رجال قانون وقضاء، لفهم تلك السلوكات.”

كما تُؤكد الدكتورة مزوز بركو على ضرورة تأهيل وتحضير السجناء نفسيا واجتماعيا، لفترة ما بعد الإفراج.. مع تنشيط عمل فرق الدعم الاجتماعي.”

مقالات ذات صلة