الرأي

الهفّ يُنافس الفستي!

جمال لعلامي
  • 1828
  • 3

حكاية لجان التفتيش إلى القطاعات، عليها أن تخرج من عقلية “اخرج لربّي عريان يكسيك”، إلى خيار الفجائية وتسبيق التفتيشات وحتى الزيارات الرسمية بالتطبيل والفلكلور، فمثل هذه الأعمال المشروعة والمفيدة للشعب والدولة، عليها أن تخضع لمنطق “العمل السري” بغية كشف الحقيقة وفضح المتلاعبين والمحتالين والهفـّافين!

تفتيش المستشفيات وقطاع الصحة المريضة، ينبغي دعمه ظالما أو مظلوما، لكن من الأنفع أن يبتعد الوزير الجديد عن الخطط التي تبناها سابقوه، فأنتجوا الهلع و”التبلعيط” ولفـّوا القطاع بقماطة الإرجاء والإبقاء على الوضع مثلما هو عليه ودون تغيير يُذكر رغم الهالة والضجيج اللذان رافقا التصريحات ومواجهة احتجاجات المواطنين وإضرابات النقابات!

نعم، كلّ القطاعات المرتبطة بتسيير مشاكل المواطن، مريضة، ومنها ما دخل غرفة الإنعاش ويرفض الخروج منها، بسبب عدم امتثاله للشفاء، وفي كثير من الحالات، يصبح آخر العلاج الكيّ، نظرا لتفشـّي المرض وتقدّم انتشاره، في غياب أدوية، أو وجود أدوية جنيسة مغشوشة، وفي أحسن الأحوال بسبب معالجة عدوى الكوليرا والطاعون بالبراسيتامول!

لا يُمكن للميكانيكي أن يتحوّل إلى طبيب، ولا يمكن للمهندس أن يكون منظرا، ولا يُمكن للإداري أن يحلّ محلّ الفلاح، وهذا ليس عيبا أو عارا، فلكلّ اختصاصه ومهنته ووظيفته وهوايته، وكلّ من هؤلاء عليهم أن يلتقوا بالاقتراحات والحلول والبدائل لحلّ المعضلات!

بكلّ تأكيد، وهذا ليس اختراعا أو “زمياطي” إذا قلنا بأن كلّ القطاعات بحاجة إلى تفتيش دقيق، لكن شريطة أن يكون ذلك مفاجئا ومباغتا ومبنيا لتواريخ مجهولة، بعيدا عن الإشهار والتشهير والماركتينغ الذي يؤمن خطّ الرجعة للنصابين ويعطي فرصة لهروب “البلاعطية” أو على الأقل تحضير أنفسهم وتسخين ألسنتهم بفبركة إجابات وأرقام لا علاقة لها بالواقع!

مصيبة المصائب، يا جماعة الخير، أن “الهفّ” لا يجد من يُنافسه سوى التسابق مع “الفستي” في ماراطون تعطيل المشاريع وضرب الوعود عرض الحائط، ومن وراء ذلك، تعميم اليأس وتوزيعه توزيعا عادلا بين الأغلبية المسحوقة التي يُراد لها أن تغرق في مستنقع “هذا القماش.. أدّي وإلاّ خلـّي”!

المشاريع والقطاعات والإدارات والبرامج التنموية، كلها بحاجة إلى تفتيش بالجملة والتجزئة، في البلديات والدوائر والولايات، بالمداشر والقرى المعزولة والربوات المنسية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لكشف “البازڤا” ليس بهدف تصفية حسابات أو خدمة مصالح ضيقة، وإنـّما خدمة للوطن والمواطن، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يقع الفأس على الرأس!

عندما يتحوّل “الهفّ” إلى صناعة، وإلى مودة، وإلى فنّ من فنون التسيير والإدارة والتدبير، ويتحوّل أيضا إلى مهنة ووظيفة تضمن مناصب شغل قارة لمن لا يُتقن سوى الخداع والتمثيل، فلا بدّ من دقّ ناقوس الخطر، حتى تعود الأمور إلى نصابها ويتوقـّف النزيف والتحريف والتزييف!

 

عندما تفتـّش بعد الإعلان والتسويق، فإنك تخادع نفسك، وعندما تفتـّش دون سابق انذار، فإنك تريد أن تلقي القبض على السارق والمخادع والفاشل والعاجز والنصـّاب والباندي، مثلما سيمكنك ذلك، أيضا، من اكتشاف الكفء والمكافح والوفيّ والناجح، بما يعدل بين الذين يعملون والذين لا يعملون، والذين يخدعون والذين لا يخدعون!

مقالات ذات صلة