الهند.. قصّـة نهضة عملاق أسيوي
تعدّ الهند المثقلة بتعداد سكاني هائل ينخره البؤس والفقر وضعف الرعاية الاجتماعية، معجزة العالم الثالث؛ فالبلد الذي كان غارقًا اقتصاديًا في تحديات كبرى، وشارف على الإفلاس في تسعينيات القرن الماضي، عاد من جديد ونهض من تخلّفه، بينما كان على مشارف السقوط وقدّم للدول النامية تجربة اقتصادية كبرى أذهلت العالم بفعل معدلات النمو العالية، والمخططات الاقتصادية الناجحة، التي نقلت الاقتصاد الهندي من كبوته الكبرى ليصبح عملاقًا آسيويًّا جديدًا.
أضحى الاقتصاد الهندي الخامسَ عالميًّا بداية من عام 2019، لتتجاوز الهند بذلك مستعمرها القديم بريطانيا، إضافة لفرنسا (2017)، بحسب صندوق النقد الدولي (IMF) الذي نشره موقع ForbesIndia بعنوان The top 10 largesteconomies in the world in2024 إذ أورد أنّ حجم الاقتصاد الهندي بلغ 3.94 تريليون دولار (1 تريليون دولار= 1000 مليار دولار)، يليه الاقتصاد البريطاني بـ3.5 تريليون دولار، في حين إنّ حجم الاقتصاد الفرنسي بلغ 3.13 تريليون دولار، فيما يتفوّق الاقتصاد الهندي على الدول العشر الأكبر اقتصاديا من ناحية النمو بنسبة 7 بالمائة.
كيف نجحت الهند في الخروج من دائرة الضعف والتبعية؟ وكيف حقّقت نهضتها رغم عدد سكانها الهائل، فيما يتوقّع أن تكون إحدى أهم القوى الاقتصادية الكبرى في العقدين المقبلين؟
الهند من الدّاخل
تعدّ الهند من الحضارات العريقة في العالم، والتي استمرت عبر التاريخ ولم تندثر كما اندثرت الفرعونية والسومرية والأشورية والبابلية والفارسية والرومانية، ويذكر الكاتب العراقي خزعل الماجدي المتخصّص في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة في كتابه “الحضارة الهندية”، أنّ اسم “هند” مشتق من (إند) وهو (إندوس) أي نهر إندوس (هندوس) الموجود في بلاد السند شمال غرب الهند، ومكانه الحالي في باكستان، وهذه التسمية فارسية أولًا ثم استعملها الإغريق (إندو).
ويذكر الماجدي، أنّ “هندوستان” هي كلمة فارسية معناها (بلاد النهر)، و”سندهو” كلمة سنسكريتية تعني بلاد السند؛ و”دهارتي” تعني الأرض الطيبة، وهي كلّها من أسماء الهند في الماضي والحاضر.
وتبلغ مساحة الهند نحو 3.3 مليون كلم مربع، وهي سابع بلد من ناحية المساحة في العالم، والثالثة آسيويّا بعد الصين، وتمتلك موارد طبيعية معتبرة، وثروة مائية كبيرة تجسّدها مجموعة من الأنهار العابرة لأراضيها الشّاسعة والصّالحة للعديد من الزراعات مع تنوّع مناخي، بين الاستوائي والصحراوي، وتغطّي الغابات نحو 22 بالمائة من أراضيها، وتمثّل الزراعة بما فيها الغابات والصيد نحو 27 بالمائة من دخلها المحلي، وتشغّل 60 بالمائة من الهنود.
وتملك الهند ثروة هائلة من المعادن تصل إلى 87 معدنًا، بما فيها الوقود والمعادن الذرية، يتركّز معظمها في منطقة تسمى “هضبة الدكن”، ساهمت في بناء اقتصاد صناعي معقّد ومركّب، إذ يحتل البلد المرتبة الرابعة عالميّا في إنتاج المعادن قياسًا على أساس حجم الإنتاج، وفقا لمقال نشر في (IBEF) تحت عنوان “IndiaMetals and Mining IndustryAnalaysis“.
ويبلغ تعداد الهنود نحو 1.4 مليار نسمة، وتتوقّع الأمم المتحدة أن تصبح الأولى عالميّا في عدد السكان في عام 2024، وهي دولة متعدّدة الأعراق، ويمثّل الجنس الهندي أزيد من 72 بالمائة من عدد السكان، ويمثّل “الدرافيديان” نحو 25 بالمائة من السكان، بينما تمثّل الأقليات الأخرى 3 بالمائة، وتوجد مجموعات من السكان تصنّفهم الحكومة على أنهم قبائل (ويطلق عليهم قبائل التلال)، إذ يوجد منهم 300 قبيلة، وهذه القبائل منغلقة على نفسها اجتماعيّا وتتمتّع بحماية الحكومة، وكبرى هذه القبائل هي جوند وبيل إذ يزيد عدد سكان كل منها عن مليون نسمة، وفقًا لما ذكرته مصادر بحثية.
وتذكر المصدر ذاتها، أنّ الدين يمثّل عاملًا محوريًّا في حياة الشعب الهندي، ويبلغ عدد الدّيانات في الهند حتى الوقت الحالي نحو 900 ديانة، ويدين نحو 79.8 بالمائة من سكان الهند بالهندوسية بنحو مليار هندوسي، ويوجد نحو 14.2 بالمائة يدينون بالإسلام خاصة من بين سكان الحضر بأزيد من 200 مليون نسمة، و2.3 بالمائة مسيحيون، و1.7 بالمائة سيخ، بالإضافة إلى أقليات تدين بديانات أخرى، وعلى الرغم من تعدد الأديان فإنّ الهند دولة علمانية كما جاء في مقدمة دستورها.
ويوجد في الهند نحو 1000 لغة ولهجة مستخدَمة، تأتي على رأسها اللغة الهندية كلغة رسمية للبلاد طبقًا لما جاء في الدستور، ويتحدّث بها نحو 40 بالمائة من السكان، وهناك نحو 24 لغة لا يقلّ عدد المتحدّثين بكل منها عن مليون نسمة، مثل اللغة البنغالية التي يتحدّث بها نحو 8 بالمائة من السكان، والتلجو، المارثية، التامبلية، الأوردية، الكانادية، وماليالم، السنسكريتية، السندية، الكشميرية، البنجابية، الأسامية، النيبالية، والأورايا، هذا بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية.
عهد الاقتصاد المغلق
منذ استقلالها، أحكمت الدولة الهندية الناشئة يدها على الاقتصاد، متأثّرة بفكر الاستغلال الاستعماري لشركة الهند البريطانية لخيرات البلد ومقدراته الطبيعية والبشرية، إذ اعتمدت منذ عهد أول رئيس لوزرائها، جواهر لال نهرو، النموذج الاقتصادي الاشتراكي الفابي الحمائي، الذي يرتكز على التخطيط وهيمنة الدولة على وسائل الإنتاج، مع توفير بدائل الاستيراد الخاضعة لمراقبة الدولة التي تسيطر وتدير القطاعات الاقتصادية، بالإضافة لتهميش القطاع الخاص الذي كان يحظى باهتمام ضئيل، كما جرى اعتماد سياستي الانكماش والانعزال الاقتصادي، مع التركيز على تحقيق الاكتفاء الذاتي وفرض تدابير حمائية مبالغ فيها، في ضوء تسجيل الهند إثر استقلالها نسب نمو ضعيفة جدًا بلغت حدود 0.8 بالمائة سنويًا.
وجرّاء هذه السياسة المرتكزة على التخطيط المركزي، أهملت البلاد ذات التعداد السكاني الهائل الأسواق الخارجية والتنافس الاقتصادي الدولي، وبقيت متقوقعة على مشاكلها الداخلية التي أضعفتها، خاصة في حروب وأزمات مسّت الداخل والخارج، تمثّلت أساسا في الحرب مع الصين وباكستان، ومشاكل إقليمية أخرى ونزاعات داخلية، مع توالي عمليات الاغتيال المتكرّرة لعائلة غاندي الحاكمة، إثر قتل رئيسة الوزراء أنديرا غاندي (ابنة جواهر لال نهرو) عام 1984، ليتولى الحكم بعدها ابنها راجيف غاندي (اغتيل في ماي 1991 من طرف نمور التاميل)، والذي تبنّى جملة من الإصلاحات الاقتصادية على المستوى الضّريبي، غير أنه واجه مقاومة كبيرة داخل حزبه، ومعارضة جماعات المصالح الداخلية لها.
لكن في ظل الإستراتيجية الوطنية التي رسمها جواهر لال نهرو، نجحت الهند في تكوين بيروقراطية إدارية جيدة التدريب، وطوّرت نظامًا تعليميًا متميّزًا مكّنها من تخريج علماء واقتصاديين على درجة عالية من التأهيل، نتجت عن إستراتيجية أطلقها نهرو عام 1951 لــ “تحويل العقول إلى مناجم“، بإطلاق معاهد الهندسة السبعة الأولى في التكنولوجيا (Indian Institutes of Technology)، وست معاهد لإدارة الأعمال (Indian Institutes of Management) وتنافس مئات الآلاف من الطلبة الهنود للدراسة فيها والتخرج منها، وساهمت هذه المقدرات الفكرية والتنظيمية في بناء حاضنة لبناء اقتصاد هندي قابل للتطور، يتضمّن قاعدة صناعية معتبرة، لكنها كانت تركّز على الكمّ لا الكيف في الإنتاج والمنتجات، للوفاء بمتطلّبات عدد هائل من الهنود، فضلاً عن أنها لم تكن موجَّهة للتصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية، ومع ذلك فإنّ سياسة الهند الاقتصادية المنغلقة والإصلاحات التدريجية التي باشرتها في المراحل السياسية المختلفة التي مرّت بها البلاد لم تكن مجدية، خاصة بعد بلوغها حافة الإفلاس المالي في تسعينيات القرن الماضي تحت رئاسة رئيس وزرائها آنذاك ناريسماراو.
أزمة التّـوجّـه الاقتصادي والنّـمو الدّيموغرافي
برزت أزمة الهند الاقتصادية جرّاء عوامل داخلية حيوية عزّزت النّمطية الاقتصادية التقليدية، وصفت لاحقًا بـ”أزمة النموذج أو التوجه الاقتصادي”، إذ أنّ البلاد لم تواكب التحولات الاقتصادية والمالية الجارية في العالم، فالهند لم تنخرط في التجارة العالمية إلى غاية تسعينيات القرن الماضي، وارتفعت نسبة انخراط الدول النامية في التصدير من 5 بالمائة عام 1970 إلى 10 بالمائة عام 1983.
وتوسّعت الهند في تشديد قبضتها على قطاع الإنتاج وتأميمه، واتّجهت للإنتاج في المجالات الأساسية وغير الأساسية، ووفقًا لبعض الدراسات، فإنّ الهند فشلت في تطوير نشاطها الاقتصادي، عكس دول جنوب شرق آسيا التي استفادت من مزايا عملية تدويل الإنتاج وإقامة مصانع فرعية للشركات العالمية الكبرى، إذ فوّتت الهند -ذات السوق الواسع والمستهلِك العالمي الثاني- على نفسها فرصة استقطاب الاستثمارات الأجنبية من خلال تدخّلها التفصيلي، وقبضتها المباشرة على حركة الاقتصاد مما أعاق روح المنافسة، وحركة الاستثمار والتطوير.
وفي السياق ذاته، شكّل النّمو السكاني المتنامي عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الهندي، في ظل عدم انعكاس نسب النمو على معيشة السكان، وفي هذا الاتجاه قال أحد السياسيين الهنود، إنّ في بلد نامي مثل بلدنا يُحبط النمو السكاني السريع الجهود المبذولة من أجل التنمية، وتحقيق تحسّن ملموس في مستوى المعيشة، وكانت الهند عند استقلالها ذات تعداد سكاني بلغ 320 مليون نسمة، ليتضاعف سكانها أكثر من ثلاث مرات بعد أزيد من 7 عقود من استقلالها، وفق موقع World Population Review حسب آخر تقدير له لعدد سكان الهند بـ1.45 مليار نسمة، وقدِّر النمو السكاني السنوي بنحو 0.88 بالمائة، والواقع أنّ هذا النمو يقلّل من المكاسب التي يحقّقها الاقتصاد، ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإنّ إنتاج الغذاء ارتفع بـ29 بالمائة ما بين عامي 1953 إلى 1965، غير أنّه لم ينعكس بشكل إيجابي على التعداد السكاني للشعب الهندي إلا بنسبة أقل من 1 بالمائة للفرد الواحد، وفق دراسات أكاديمية.
وسبق وأن أوضح رئيس وزراء الهند الأسبق جواهر لال نهرو في هذا المنحى، أنّ النمو السكاني للهنود يشكّل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد والتنمية البشرية، ودعا آنذاك إلى ضرورة تحديد النسل إذا أراد الهنود مستوى معيشيا جيدا لجميع السكان، وجرّاء ذلك لجأت الحكومة إلى تطبيق مشروع تنظيم النسل كجزء أساسي من مشروع تجديد الاقتصاد، ومثّل التحدي الغذائي أحد أهم الجوانب التي تقف عليها الهند، إذ بيّنت الدراسات أن الطلب على الحبوب ارتفع عام 2000 من 191 مليون طن، إلى حدود 340 مليون طن عام 2020، وفق ما ذكره كتاب “التجربة الهندية”، للكاتب ستار جبار علاي.
بالمقابل، مثّلت التجربة الاقتصادية الهندية ما قبل تحرير الاقتصاد معتركًا لتعظيم المقدرات الهندية المحلية، ورأس مالها البشري التقني والهندسي، من خلال المعاهد التكنولوجية وإدارة الأعمال التي أضحت تصدّر فوائض طلبتها الذين لم يكن الاقتصاد الهندي مؤهَّلًا لاستيعابهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت الهند بفضل العقول المحلية في تفجير أول قنبلة نووية ذرية عام 1974، وكسّرت آنذاك احتكار الدول المتقدّمة للنادي النووي.
نحو الاقتصاد الحرّ
بدأت إرهاصات الإصلاح الأولى في الهند بداية من عام 1980، إذ أدت الأزمة البترولية العالمية آنذاك، جرّاء خلل في ميزان المدفوعات، قادت الهند إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض مالية بقيمة مليار دولار أمريكي من حقوق السحب الخاصة بها، فاشترط على الهند ضرورة إجراء إصلاحات في اللوائح الداخلية والخارجية، فجرى تليين نظام التراخيص الصناعية بالتدريج، والذي كان يتندر عليه الهنود بوصفه “الترخيص الملكي” نظراً لصعوبة مباشرة القطاع الخاص لأي استثمار، وهو ما أتاح للمنافسة التجارية الداخلية الانطلاق والتوسُّع، وفتح المجال للتصدير والاستيراد لتشجيع التحديث الصناعي، وجرى تخفيف النِّسب الضّريبية المرتفعة، وفقاً لما ذكره الكاتب فيجاي فير سينغ في كتابه “Regulatory Management and Reform in India”الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لكن هذه الإصلاحات لم تكن كافية للهند من أجل مواجهة الانحدار الاقتصادي الذي بدأت تغرق فيه، إذ تفاقم عجز ميزان المدفوعات عام 1991، لتصبح خزينة الهند فارغة من احتياطيات الصرف إلا ما يكفي لأسبوعين لتمويل وارداتها، جراء عجز في الميزانية، وقلة في العائدات الضّريبية، وارتفاع الدين الصافي من 46 بالمائة عام 1983 ليزيد عن 75 بالمائة في عام 1990، وتزيد معه مدفوعات الفوائد المرتفعة والمتراكمة، وجرّاء ذلك أصبحت الهند أعلى دول آسيا دينًا بأزيد من 60 مليار دولار أمريكي، مع ارتفاع أسعار النفط عام 1990، جراء حرب الخليج الثانية، وهذا ما قاد الهند للقيام بإصلاحات جديدة.
وصف وزير خارجية الهند الأسبق شاشي ثارو تجربة الهند ما قبل التحول بأنها على مدى 45 عاماً، احتل البيروقراطيون مناصب الدولة العليا، وعملوا على خنق روح المبادرة والتجارة، بمجموعة ثقيلة من التنظيمات والتراخيص، وإقامة حواجز الحماية ضد التجارة الخارجية والاستثمار باسم “الاعتماد على الذات”، وتقديم إعانات الدعم لقطاع عامّ غير منتج، والنضال من أجل إعادة توزيع الفقر في البلاد، وهو ما جعل الهند تقبع تحت ربقة التخلف لعقود.
استراتيجية التّـوجّـه
استمرت الهند في تنفيذ رؤيتها الإصلاحية للاقتصاد واضعة نصب عينيها “أن تكون متطورة ومتقدمة”، وفق ما ذكره كتاب رئيس الهند الأسبق الدكتور أبو بكر زين العابدين عبد الكلام: “الهند عام 2020.. رؤية للألفية الجديدة”، من أجل جعل الاقتصاد الهندي أحد أضخم الاقتصادات في العالم، وأدرك الهنود أنّه لتفعيل هذه الرؤية عليهم اتخاذ مسار جديد تكون فيه الحكومات والتنظيمات متفوِّقة في الحاضر والمستقبل، لبلورة الجهود والإمكانات وتأطيرها، لبناء اقتصاد إبداعي في ظروف ملائمة، ولمواجهة هذا الواقع جرى تفعيل مجلس نشر المعلومات التكنولوجية وتقييمها “TIFAC”الذي تأسّس في عام 1988، وكانت مهمته الرئيسية هي: “وضع رؤية مستقبلية للتكنولوجيات التي ينبغي تطويرها، في الوقت الذي بدأت فيه بالظهور علمياً”، فربط المجلس جميع الأطراف التي تتولى زمام الأمور، كالحكومة والصناعة والمؤسسات العلمية والتكنولوجية، والمؤسسات المالية، والمفكرين، بفريق عمل واحد.
وفي شهر نوفمبر من عام 1993، اجتمع المجلس بكامل أعضائه الذين جاؤوا من قطاعات صناعية مختلفة، ومن مؤسسات البحث والتطوير، والمؤسسات الأكاديمية، ودوائر حكومية، ومؤسسات مالية لمناقشة الطريقة التي يمكن بها الانطلاق لتطوير البلاد وتعزيز مستقبلها، وكيف يمكن نقل الهند من بلد نامي بعد مرور نحو خمسين سنة على استقلاله، إلى بلد متقدم.
المستقبل لاقتصاد المعرفة
بعد عدة اجتماعات، أكّد المجلس أن التكنولوجيا هي أعلى مولّد للثروة، وأفضلها خلال أقصر فترة زمنية، إذا جرى توجيهها الاتجاه الصحيح، فالتكنولوجيا يمكنها الانتقال بقطاعات مختلفة مثل التعليم، والتدريب المهني، والزراعة، والصناعات الغذائية والإستراتيجية، والبنية التحتية إلى مستويات أعلى، فالهند تمتلك قاعدتين أساسيتين لتحقيق التقدم، هما الموارد الطبيعية الكبرى، والموارد البشرية الضخمة، إذ تشكّلان البنية التحتية الأساسية لانطلاق الهند نحو تحقيق رؤيتها النهضوية.
وقام المجلس بإعداد التقارير والسيناريوهات ومجموعات العمل، وتحديد الخطوات والبرامج الزمنية، والسياسات التي يجب إتِّباعها من قبل الحكومة، وقطاع الصناعة، ومؤسسات البحث والتطوير لتحقيق الرؤية إلى عام 2000.
نقطة التّحوّل
مع مواجهته خزينة خاوية تقريبًا وكارثة مالية لاحت في الأفق، وتحوّلات اقتصادية وسياسية عالمية تأخرت الهند عن مواكبتها جراء جمود السياسة الاقتصادية الهندية، اختار رئيس الوزراء الهندي نارسيما راو (بين عامي 1991-1996) وزيراً جديداً للمالية اسمه مانموهان سينغ، الاقتصادي المتخرج من جامعة أكسفورد، صاحب التوجهات الإصلاحية الليبرالية في الاقتصاد، وللمفارقة كان من عرقية “السيخ” الذين تمرّدوا على الحكومة المركزية في إقليم البنجاب لتأسيس دولة مستقلة تحت اسم “خالستان”، وكُلّف سينغ باتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة لوقف انحدار الاقتصاد الهندي، وتنفيذ الإصلاحات اللازمة للخروج من أزمة خلل ميزان المدفوعات، واستئناف النموّ في ظل احتياطي مالي كان آنذاك أقل من مليار دولار.
حينها اختار راو، باقتراح من سينغ الذي شكّل فريقاً إدارياً لمباشرة الإصلاحات، بالانبانتشيدامبارام وزيراً للتجارة وهو خرّيج كلية هارفارد للأعمال، ليصبح الرجلان المهندسين البارزين للإصلاحات التي شهدها الاقتصاد الهندي إلى جانب مونتك سينغ أهلواليا الرئيس المفوض للجنة التخطيط القومي، إذ أُطلق عليهم الإعلام الهندي “فريق الأحلام الاقتصادي”.
باشرت الهند عملية الإصلاحات بينما كان النموذج الاقتصادي المخطط يلفظ أنفاسه الأخيرة مع انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ قاد “فريق الأحلام الاقتصادي” الهند تدريجياً نحو الإصلاحات لتفادي الصدمات التي لا يتحملها الاقتصاد الهندي الضعيف المشارف على الانهيار، وجرى تخفيض قيمة العملة الهندية “الروبية” بـ30 بالمائة عام 1991، وبـ15 بالمائة في مارس 1992، وتقليص الإعانات التجارية، وخفض التعريفات الجمركية، وجرى إسقاط التقاليد والتشريعات التي كانت تتحكم في حركة رؤوس الأموال ومشاريع القطاع الخاص.
ورُفعت القيود على التجارة والاستثمار الداخلي من خلال إلغاء “الترخيص الملكي” في معظم القطاعات، وفُتح باب الاستثمار الأجنبي خاصة قصير الآجال بـ51 بالمائة وما فوق، مما وسّع التجارة الخارجية ورفع حجم الاستثمار الأجنبي في البلاد، وجرى إصلاح المؤسسات الاقتصادية والمالية، ووضع تشريعات مالية أكثر ديناميكية، وتفعيل دور رأس المال، وفتح سوق الأسهم عام 1992، أمام مساهمة مؤسسات الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى رفع أسعار الفائدة وزيادة الضرائب بـ10 بالمائة، مع الحد من الدور القيادي للدولة في التنمية، بالحد من دور لجنة التخطيط التي أُسست في خمسينيات القرن الماضي لتصبح مهمتها استشارية فقط.
بالمقابل شُدّدت الرّقابة على أداء المؤسسات الاقتصادية العامة، وبدأ التفكير بخصخصتها وتخفيض عدد العاملين فيها، وهو ما أدّى إلى نمو الاقتصاد الهندي والنهوض بمؤشراته المختلفة، غير أن الاقتصادي الكندي ميشيل تشوسودوفسكي، مدير مركز البحث في العولمة، كان له رأي آخر في التحول الاقتصادي الهندي، إذ انتقد هذا التوجّه بحكم أنه كان واضحاً أن سياسة الحكومة المالية كانت خاضعة لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية، بموجب اتفاقية التكييف الهيكلي للاقتصاد الهندي الموقعة عام 1991.
وبحكم هذا التوجّه، عرف الاقتصاد الهندي تدفقاً واضحاً للاستثمارات الأجنبية، إذ ارتفعت من 150 مليون دولار عام 1991، إلى 2.13 مليار دولار خلال عام 1996، وارتفع استثمار المؤسسات الأجنبية في سوق الأسهم من 92 مليون دولار عام 1992، ليصل إلى 3.51 مليار دولار عام 1995.
جدل حول الإصلاح
لم تكن عملية الإصلاح سهلة في بداية الأمر، إذ عرفت حالة التحول الهندية جدلا كبيرا في الساحة السياسية حول حدود دور الدولة في المجتمع والاقتصاد، في ضوء تصاعد مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع الهندي من صناعيّين وفلاحين وعمال، وبيروقراطيّين (إداريين) خوفا من الاختلالات التي قد تنجم عن سياسة التحوّل، وعملت حكومة راو على ترشيد دور الدولة في المجتمع وليس إلغاءه لتطمين المجتمع، وسار التحرير الاقتصادي بشكل مرحلي، مع استمرار رؤية ناراسيما راو ووزير ماليته سينغ، الرامية إلى تحرير القطاع العامّ، الذي لم يكونا مقتنعين بدوره كقاطرة للاقتصاد، بعد فشله في تحقيق أهداف التصنيع وتحقيق النمو والحدّ من الفقر، إضافة لضعف مردوديته مقارنة مع ما يُنفق عليه من أموال واستثمارات حكومية.
وصمدت سياسة راو وسينغ الاقتصادية رغم سقوطه في انتخابات عام 1996، إذ أبدى المجتمع السياسي الهندي تمسّكه بها جراء ما أفرزته من تغييرات إيجابية على اقتصاد البلاد، وأعلنت أغلب الأحزاب السياسية مضيّها قدُما في عملية الإصلاح في ظل عهد حكومتي الجبهة المتحدة سواء تحت رئاسة ديف جودا أو أندر كومار غوجرال، من خلال منح المزيد من الحرّيات والحوافز في الاستثمار، مع إعطاء المستثمِر الأجنبي حق التملك في مشاريع السياحة والطرق والصناعات البترولية وتوليد الطاقة، إضافة للحق في تملك 49 بالمائة من قطاع الاتصالات، و51 بالمائة من الصناعات الدوائية، بالإضافة إلى قطاعات أخرى أضحت الموافقة على الاستثمار فيها بصفة تلقائية مثل الكيميائيات، والتعدين، والغزل، والنسيج والنقل.
واستمر التوجه ذاته بالنسبة لرئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي، الذي أكّد بعد تشكيله للائتلاف الحكومي في أعقاب انتخابات 1998 و1999 الاستمرار في تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي، بإصلاح قوانين القطاع المالي والنظام الضريبي، وغيرها من القوانين الضابطة للأنشطة الاقتصادية حتى تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحر والعالمي.
تنامي الصّـعود
خلال حقبة 1999 إلى غاية 2004، واصلت حكومة حزب الشعب الهندي (بهاراتياجاناتا)، صاحب التوجُّه اليميني (البرجوازي)، تبنّي جهود الإصلاح الاقتصادي، بل جرى تسريع خطواتها في بعض القطاعات، واستمرّت في الزيادة من رفع القيود على التجارة والاستثمار الأجنبي، وتحقّق تقدمٌ في التكنولوجيا المتقدِّمة والخدمات، وساهمت هذه الإصلاحات في توفير دعم قوي للسلطة باتخاذ القرار لدى مديري الشركات وأصحاب المشروعات التجارية، وفي تخلي الدولة ولو جزئيا على إدارة الاقتصاد، ورفعت الهند العديد من القيود التي كانت تفرضها على طبقة رجال الأعمال، فانتعشت وتنامت هذه الطبقة من بين التكنوقراط ذوي التعليم العالي، وأصبح القطاع الخاص يشكّل العمود الرئيسي لنمو الناتج القومي الهندي، وتوسّعت بعض الشركات الهندية وأصبح البعض منها علامة تجارية عالمية، وفق ما ذكره الكاتبان بيتراسأوستريفيشيوس وجون بوزمان، في كتابهما المشترك، “اقتصاد الهند: الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد”.
مرتكزات على طريق النّـهضة
في طريق نهضتها، مدّت الهند طريق نموّها بمرتكزات دفعت اقتصادها قدُما لتحقيق التقدم والرقي، فتركّزت هذه المسارات على طريق الحداثة وما تستلزمه من مسايرة وتكييف، وفي هذا التوجه عملت الهند على:
– تحسين بيئة الأعمال: عملت الهند على تحسين بيئة الأعمال غير المواتية -آنذاك- من الناحية التنظيمية، خصوصا بالنسبة للأنشطة كثيفة العمالة، فجرى إدراج مخطّطات إصلاحية جديدة، لتعزيز بيئة الشركات وحوكمتها، مع تعزيز السلوك التجاري المسؤول عن ضمان حقوق المستثمرين، وتحسين سلوك العمل ومكافحة الرشوة، لتعزيز قدرة المستثمرين التنافسية وفق ما ذكره الكاتب فيجاي فير سينغ في كتاب“Regulatory Management and Reform in India”.
ووفق التقرير ذاته، فإنّه بفضل هذا التوجُّه، ورغم الاختلاف التنظيمي بين الولايات الهندية، فقد حقّقت الحكومة المركزية وبعض حكومات الولايات أداءً اقتصاديا إيجابيا، من خلال تعزيز وتوفير الأطر التنظيمية الملائمة لاستحداث بيئة أفضل لعمل ونمو الشركات، وإزالة القيود المفروضة على المنافسة.
وعملت الهند على تعزيز الحوار البنّاء بينها وبين المجتمع المدني والشركات، بصياغة السلوك الاستراتيجي المسؤول للشركة في إطار أهداف التنمية الهندية، وقامت بإنشاء وزارة منفردة للاضطلاع بهذا الملف، سمِّيت “وزارة شؤون الشركات”، وأصدرت الوزارة عام 2009 الخطوط التوجيهية الوطنية الطوعية على الصعيد البيئي والاجتماعي، والمسؤوليات الاقتصادية لرجال الأعمال، وعملت على وضع معايير لتصنيف مشاريع المؤسسات باسم “الشركة المسؤولة”، إضافة إلى صياغة قانون مكافحة الرشوة الخارجية من أجل مكافحة الفساد.
وذكر تقرير لـ”منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية“، أنّ الهند اتخذت خطوات نحو شفافية سياسات الحكومة والرّقابة العامة على أدائها، فاعتمدت قانون الوصول للمعلومات وإنشاء ميثاق المواطن، وأصدرت عام 2011 قانونا بتشكيل لجنة للتحقيق في مزاعم الفساد، لتعزيز ثقة الجمهور، والكشف عن الأصول المالية لكبار صنّاع القرار في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وبحسب التقرير ذاته، فإنّ هذه الميكانيزمات والإصلاحات ساهمت في تعزيز إمكانات النمو في الهند، وتحفيز الشركات على الاستثمار، وتشجيع الابتكار، وزيادة الإنتاجية ممّا حفّز فرص العمل في القطاع العام وحسن البنية التحتية، ورأس المال البشري.
– تعزيز الابتكار: لم تحقّق الهند النمو الاقتصادي الذي وصلت إليه عبثا، فالأمر جاء نتيجة لسياسة ونهج استراتيجي لتعزيز الابتكار، والعمل على تطوير القدرات المحلية، وزيادة الإنفاق من أجل تحسين الكفاءة في البحث العلمي والأداء المهني، وبحكم ضعف التكلفة ووفرة اليد العاملة المؤهَّلة المتحكّمة في اللغة الإنجليزية، برزت الهند كمركز عالمي للخدمات كثيفة المعرفة، ونجحت في جلب تدفّقات معتبرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
واستضافت الهند العديد من كبريات الشركات المستثمِرة في السيارات، والآلات الصناعية، وصناعة تكنولوجيا المعلومات، ما ساهم في تكامل الاقتصاد الهندي مع الاقتصاد العالمي، وقد بلغ الإنفاق على البحث والتطوير 0.85 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للهند في عام 2015، إذ حلّت في المرتبة السادسة عالميا بـ66.5 مليار دولار أمريكي، وتوجّهت الهند نحو 10 بالمائة من إجمالي الإنفاق الحكومي على البحث العلمي والتطوير.
وخلال عام 2008 قامت الحكومة الهندية بتبني قانون الابتكار الوطني، وأعلنت عن عقد من الابتكارات، مع الالتزام بتعزيز العلوم والقدرات التكنولوجية، والتي تهدف إلى رفع حصة الإنفاق على البحث والتطوير إلى 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، مع رفع مساهمة قطاع الأعمال، كما جرى عام 2010 إنشاء المجلس الوطني للابتكار، ليكون مرتكزا لمشروع الهند “عقد من الابتكارات”، ووُضع مشروع “خارطة الطريق الوطني للإبداع”، وشكِّل مجلس العلوم والبحوث الهندسية، ووكالة تمويل الابتكارات، وصندوق الابتكار الشامل الذي أطلقته وزارة المالية الهندية، تماشيا مع التركيز الاستراتيجي على النمو الشامل والابتكار وفق ما ذكره تقرير لموقع reports.weforum.org، الخاص بالمجلس الوطني الهندي للابتكار.
بنغالور “جنّـة التّـكنولوجيا”
لأنّ الهند صنعت لنفسها بالابتكار التكنولوجي جنّة تكنولوجية جديدة تساهم في القوّة الاقتصادية للبلاد، فقد أضحت مدينة “بنغالور” وادي سيليكون الهند وقلبها النابض وروحها الحيّة في الابتكار وإنتاج أحدث التكنولوجيات والبرمجيات، إذ تحتل المرتبة الثامنة من ناحية أفضل المدن التقنية في العالم، ويتواجد بها أكثر من مليون مهندس، وبفضل إنتاجها التنافسي نجحت في تطوير عديد القطاعات منها إنتاج السيارات في الهند التي تساهم بـ7.1 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي، وقطاع الاتصالات الذي يمثّل 8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، بسوق ضخم يعتبر الثاني في العالم من ناحية عدد مستخدِمي الهاتف والانترنت.
أضحى الاقتصاد الهندي الخامسَ عالميًّا بداية من عام 2019، لتتجاوز الهند بذلك مستعمرها القديم بريطانيا، إضافة لفرنسا (2017)، بحسب صندوق النقد الدولي، وبلغ حجم الاقتصاد الهندي 3.94 تريليون دولار (1 تريليون دولار= 1000 مليار دولار)، يليه الاقتصاد البريطاني بـ3.5 تريليون دولار، في حين أنّ حجم الاقتصاد الفرنسي بلغ 3.13 تريليون دولار، فيما يتفوّق الاقتصاد الهندي على الدول العشر الأكبر اقتصاديا من ناحية النمو بنسبة 7 بالمائة.
وتساهم صناعة تكنولوجيا المعلومات التي تتكوّن من عنصرين رئيسيين، هما خدمات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات، والاستعانة بمصادر خارجية في العمليات التجارية بـ8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وتساهم في 25 بالمائة من صادراتها من البضائع، ممّا يجعل الهند في المرتبة الثانية في العالم كأحد أكبر مصدِّر لتكنولوجيا المعلومات على الرغم من القدرة التنافسية القوية للصين والفلبين، ويساهم قطاع التكنولوجيا بتوظيف 4.5 مليون موظف بشكل مباشر، ونحو 9 ملايين بشكل غير مباشر، ويعدّ قاعدة أساسية للنمو بالهند في العقود الماضية.
الخطّـة مستمرّة
بعد أزيد من عشر سنوات من انطلاق الإصلاحات الفعلية، أضحت الهند تحوز احتياطياً مالياً بلغ 700 مليار دولار (الرابعة عالميا خلال 2024)، بعد أن كانت مفلسة في التسعينيات. ورغم تعداد سكانها الهائل وتحديات الوفاء بمتطلباتهم في الداخل والخارج في بلد يجلس على محك الفقر ويناطح الكبار في النمو الاقتصادي، نجح في تلك الحقبة في تحقيق نسب نمو سنوية وصلت إلى 8 بالمائة.
تملك الهند ثروة هائلة من المعادن تصل إلى 87 معدنًا، بما فيها الوقود والمعادن الذرية، يتركّز معظمها في منطقة تسمى “هضبة الدكن”، ساهمت في بناء اقتصاد صناعي معقّد ومركّب، إذ يحتل البلد المرتبة الرابعة عالميّا في إنتاج المعادن قياسًا على أساس حجم الإنتاج.
وبعد عمله وزيرا للمالية، نجح مانموهان سينغ في بلوغ منصب رئيس الوزراء، وواصل عمله بإجراء إصلاحات جديدة، ويذكر له شاشي ثارور، وزير خارجية أسبق للهند، أنه قال أمام البرلمان: “لا توجد قوّة على الأرض تستطيع أن توقف فكرة حان موعدُها”، حول مخطط صعود الهند، الذي بدأه وزيرا للمالية ثم رئيساً للوزراء إذ واصل حملة الإصلاحات لتواصل الهند نموها، الذي بقي ثابتا وقويا رغم الأزمات الدولية والإقليمية، وبلغ الناتج القومي الخام ارتفاعا قياسيا خلال سنوات حكم سينغ الأولى، إذ قدّر بـ8.5 بالمائة سنة 2006 و9 بالمائة سنة 2007، أما في سنة 2008 فقد تراجع الاقتصاد الهندي بنسبة 7.3 بالمائة بسبب الأزمة المالية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية، ليواصل نموه بعد ذلك بثبات.
لم تحقّق الهند النمو الاقتصادي الذي وصلت إليه عبثا، فالأمر جاء نتيجة لسياسة ونهج استراتيجي لتعزيز الابتكار، والعمل على تطوير القدرات المحلية، وزيادة الإنفاق من أجل تحسين الكفاءة في البحث العلمي والأداء المهني، وبحكم ضعف التكلفة ووفرة اليد العاملة المؤهَّلة المتحكّمة في اللغة الإنجليزية، برزت الهند كمركز عالمي للخدمات كثيفة المعرفة، ونجحت في جلب تدفّقات معتبرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وجاء بعد مانموهان سينغ ناريندا مودي، زعيم حزب بهاراتياجاناتا ذي النزعة القومية الهندوسية اليمينية، الذي اتّبع سياسات مرتكزاتها تطوير قدرة الاقتصاد الهندي، وهدفها تحويل الطاقة الاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية للهند على الصعيد الدولي، وفق رؤية الهند 2025، إذ وعد الشّعب الهندي عام 2014 بأن “آتشا دين” أو “الأيام السعيدة” قادمة في عهده، وصرّح مودي قائلاً: “لا توجد قوة في العالم يمكنها إيقاف بلد يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة”، وأضاف أنّ “القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الهند”، ونجحت الهند في عهد مودي في زيادة تقدّمها الاقتصادي، إذ انتقلت من الاقتصاد العالمي السادس عام 2017 متخطية فرنسا، وفقاً لبيانات البنك الدولي، إلى الاقتصاد الخامس في مارس 2020 متخطية مستعمرَها القديم بريطانيا.
2030.. الهند ثاني اقتصاد عالمي
تذكر عديد التوقعات أنّ الهند لن تكتفي بالبقاء في مرتبتها الحالية كخامس اقتصاد في العالم، فحسب رصد للموقع الأمريكي“Visual Capitalist” المتخصص في البيانات والإحصاء، ذكر أن الاقتصاد الهندي من المتوقع أن يصبح الثاني عالميّا في غضون الأعوام التسعة القادمة بعد الصين، تأتي بعده كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإندونيسيا وتركيا.
استضافت الهند العديد من كبريات الشركات المستثمِرة في السيارات، والآلات الصناعية، وصناعة تكنولوجيا المعلومات، ما ساهم في تكامل الاقتصاد الهندي مع الاقتصاد العالمي، وقد بلغ الإنفاق على البحث والتطوير 0.85 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للهند في عام 2015، إذ حلّت في المرتبة السادسة عالميا بـ66.5 مليار دولار أمريكي، وتوجّهت الهند نحو 10 بالمائة من إجمالي الإنفاق الحكومي على البحث العلمي والتطوير.
ووفق تقرير ثانٍ أعدّته “ستاندرد تشارترد”، نشرته وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية، ذكر أن الهند ستبلغ الترتيب الثالث عالميّا في غضون عام 2030 من ناحية حجم الاقتصاد، وتشير توقّعاتٌ أخرى أصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أنّ الهند ستصبح ثالث قوّة اقتصادية في العالم بداية من عام 2024، من ناحية ترتيب الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات العالم.
فهل يا ترى يمكن للفيل الهندي تجاوز أكبر وأقوى الاقتصادات العالمية في غضون الأعوام المقبلة؟ وهل يمكن أن نستفيد من التجربة الهندية في الإصلاح والنهضة؟