الرأي

الهوان أن تطلعي

أعترف أنني مصاب بداء لا براء منه ولا شفاء ولو وُسّدت في التّراب، وهذا الداء هو كره فرنسا وبغضها ولعنها، وكره كل من يحمل لها ولو مثقال ذرة من احترام، خاصة أولئك الذين مستهم ولو بأبسط عذاب، ثم يفضلونها على الجزائر “جنة الدنيا”.

لقد كان هذا الداء ماديا منذ رأيت الطائرات الفرنسية ـ وأنا لم أبلغ الحلم ـ تقنبلڤرابىقريتيبن ياجيس، وشاهدت دبابة تقتل ـ في منطقة الشوف القريبة منا ـ إنسانا لم يمض على عودته من فرنسا إلا بضعة أيام، وقد رفض أن يلجأ  إلى الجبل، لأنه ظن أن الفرنسيين لن يشكوا فيه بأنهإرهابي، وما علم المسكين أن الفرنسيين يشكون حتى فيمن لمّا يولدوا.

ولما بلغت السعي وتعلمت رغما عن فرنسا الناشرة للجهل في الجزائر، وعرفت بعض ما فعلته فرنسا في وطني ازددت كرها لها، وحقدا عليها، ولعنة لها حتى ألقى الله.

لقد صرت كلما قرأت اسم فرنسا أو سمعته، وكلما رأيت فرنسيا وسمعته يملأ شدقيه بغثاء الكلام عن القيم الإنسانية، والمبادئ النبيلة، والمثل السامية تذكرت أبياتا لمتنبي القرن العشرين؛ الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري من قصيدة عصماء، عنوانهاالجزائرإشادة بها وإعجابا، وقد ألقاها في دمشق في عام 1959، عندما كان رجال الجزائر يثأرون للكرامة الإنسانية من فرنسا. ومما جاء في تلك القصيدة مخاطبا فرنسا:

فيا سوأة الدّهر لا تطلعي           ويا بؤرة الغدر لا تنبعي

ويا قرحة في صميم الشعوب    قيئي صديدك واستبضعي

تواري فإنّ هوان الحيا              ء والطهر والعدل أن تطلعي

قد يرتكب الإنسان جريمة ـ ولو عظمت ـ في لحظة غضب أو نتيجة خطإ، وقد تدرك هذا المجرم إن كان من معدن نبيل وأصل شريف ندامة فيعتذر، ولكن أن ترتكبدولةأبشع جريمة دامت مائة واثنتين وثلاثين سنة، وماتزال مستمرة إلى الآن، وستسمر إلى مئات السنين فتلك هي البدعة التي عليها وزرها إلى آخر الدنيا، وتلك هي فرنسا التي قال فيها من عرف حقيقتها:

فرنسا، تلك فلسفة اعتداء    يسوقك نحوها عرق دنيّ

ولهذا فهي كما قال شاعر: ” ستذهب بالعار عبر الحياة“.

لقد تذكرت كل هذه الجرائم وأنا أتابع ـ عبر الشاشة ـ ما يعانيه إخواني وأبناؤهم في منطقة رڤان، التي روّعها ذلك المجرم الأكبر بتفجير القنابل الذرية، وهو الذي يشهد أنهحظر على القوى الأمريكية إدخال قنابل ذرية إلى فرنسا، سواء كانت مستقرة في الأرض، أم محمولة بالطائرات، ومنع تشييد قواعد للقذف“.

(دوغول: مذكرات الأمل. ص 226)، ولكن عنصريته تبيح له أن يجرب أسلحة الدمار الشامل في غيره.

إن هذا الشخص ليس مجرما فقط؛ بل هو أحمق كما قال الشاعر:

هذا ديغول الأحمق فجرها

الظامئ للحقد،

الغارق بالكيد،

زرع السم الأصفر.

إنه كما خاطبه شاعر آخريا شيخ الطغاة،الوحش يأنف أن يراك“.

 

إنني أعتبر أن من كمال وطنية الجزائريين وشرفهم أن يعتبروا عداوة فرنسا لهم كعداوة إبليس، وأنها لن تصدقهم حتىينوّر الملح في الرّابطهكما يقول الجواجلة، أوحتى يلج الجمل في سم الخياط“. ورحم الله ضحايا الجرائم الفرنسية في الأولين والآخرين..

مقالات ذات صلة