الورشات الإبداعية والفكرية مساحة عصرية للقضاء على الملل
تطور الفرد العصري، وانفتاحه على ثقافات مختلفة، بالإضافة إلى تغير أسلوب حياته، بوتيرة جعلت الوقت والمساحة أضيق من السابق.. كلها عوامل أسهمت في تغيير نمط الترفيه، من الترويح على النفس وتعديل المزاج بالاسترخاء في المقاهي والمساحات العمومية، والتسوق، واستهلاك المحتويات الرقمية.. إلى ما هو أسمى وأنبل، حيث يتم تغذية الروح والعقل في ورشات إبداعية، حرفية أو فكرية.
باكتساب الفرد العصري وعيا أكبر، يتناسب مع التغيرات الحاصلة في شتى الميادين، أصبح الترفيه بالنسبة إلى الكثيرين، تلك المساحة التي لا يمكن للفرد من خلالها فقط التخلص من المشاعر السلبية، مثل العزلة، القلق، الشعور بالضيق، وإنما تعويض هذه المشاعر بأخرى إيجابية..
ولأن مرافق الترفيه والتسلية الحديثة، على قلتها، لم تعد توفر هذه الخاصية، بسبب الاكتظاظ والفوضى، وسوء الخدمات، باتت الورشات الفنية، وتلك التي تهتم بتغذية العقل والروح، من خلال أنشطة مثل الرسم، النحت، القراءة، المحادثة… البديل المثالي.
بيئة تستهوي المثقفين والمبدعين
تعتبر أحلام ورشات الأكرليك والريزين التي اكتشفتها منذ أشهر، منفذا مثاليا للتخلص من ضغط العمل، وتجديد الطاقة: “عندما كنت أشعر بالملل في السابق، كنت أخرج مع أفراد عائلتي أو مع صديقاتي. السياقة في الازدحام تزيد توتري، فمهمة إيجاد مكان مريح صعبة في محيطي، والتعرض للمضايقات، ولقاء فئات مختلفة من المجتمع، والضوضاء التي تسكن أماكن الترفيه، عادة، كانت تشحنني بالمزيد من السلبية، حتى دعتني زميلة إلى ورشة رسم، في مكان خاص يدعى رواق الأمل، حيث الأشخاص الهادئون الذين يشبهونني. بدأت بعدها البحث عن مثل هذه المنتديات، تقيم ورشات للريزين، والرسم والنحت، واكتشفت أنها كثيرة، وأصبحت ملاذي الدائم عندما يتعكر المزاج”. الأستاذة عائشة بن ربيع، أخصائية نفسية، وصاحبة منتدى بسمة للأنشطة الفكرية والترفيهية، بقلب مدينة الورود، تقول: “بدأنا العمل على ورشات القراءة ومناقشة الكتب، ثم صناعة الدمى، والكروشيه.. للأطفال فقط. كنا نستمع إلى أمنيات الأولياء في مشاركة أبنائهم. وانتهى الأمر بورشات جماعية للتفريغ العاطفي من خلال تشكيل الطين، والرسم على الزجاج، والطرز..”. وتؤكد الأخصائية، صاحبة 23 سنة في المجال: “عندما أدركنا أن الترفيه في عصرنا لم يعد وسيلة للهروب من المشاعر المزعجة فقط، وإنما هو أسلوب لفهم الذات، والتعمق في أصل مشاعرها، استطعنا أن نوفر- كخبراء- مساحات تلبي حاجة الأفراد، في استعادة التوازن النفسي والشعور بالفاعلية”.
استثمار وقت الاستمتاع في تطوير الذات
غياب دور السينما والمسارح والقاعات متعددة الرياضات، وتراجع دور بيوت الشباب، وتحولها إلى أوكار خاوية، وأخرى للفساد، فتح المجال واسعا أمام الخواص من المختصين، للاستثمار في راحة الأفراد، بفتح مساحات بمواصفات حديثة، تتوافق مع متطلبات الفرد العصري، ونمط حياته ومستوى مشاعره، ما أنتج لنا نوادي ترفيهية في هيئة ورشات تبحث في النفس البشرية عن الإبداع، وتخلق الهواية، ومقاهي تثرثر فيها العقول حول الكتب والمقالات والأبحاث والروايات، بدل الخوض في الأعراض، والحياة الخاصة للأقارب والجيران. طارق، 22 سنة، طالب جامعي، كان يقضي وقته على قارعة الطريق في الحي، أو في المقاهي، يقول: “دعاني الأستاذ المشرف على مذكرة تخرجي، إلى أن نناقش بعض التفاصيل في مقهى خاص، من الوهلة الأولى، شعرت بشيء غريب، كل من في المكان يتحدثون الإنجليزية.. جو فريد، وكل جماعة تمارس نشاطا فكريا مختلفا، شعرت بأني انتقلت إلى بيئة مريحة رغم صخبها، ارتفعت معنوياتي، وأدمنت المكان من حينها، حيث تعرفت على أشخاص أشاركهم الشطرنج، وألعاب العقل المختلفة”. السر في هذه الأماكن العصرية، تقول الأخصائية النفسية، عائشة بن ربيع، أن الفرد يأخذ سعادته فيها من شعوره بالإنجاز، والتطور: “بعض الناس ينتابهم تأنيب الضمير بعد وقت الراحة، خاصة أولائك الذين ينفقون كثيرا من المال على أماكن الاستجمام للقضاء على الملل، فيبدو لهم وكأنهم ضيعوا وقتهم، وهنا يكمن الفرق، بالنسبة إلى الذين يستثمرون مبالغ زهيدة في أماكن الترفيه الفكري والفني، ممن يجدون في النهاية أنهم استمتعوا بوقتهم في تطوير مهارات معينة”.