-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في كواليس التاريخ

الوزير المجاهد عبد الرحمان الشريف يخرج عن صمته بعد 45 سنة!

محمد عباس
  • 3045
  • 0
الوزير المجاهد عبد الرحمان الشريف يخرج عن صمته بعد 45 سنة!

مع المجاهد عبد الرحمان الشريف تصبح “كواليس التاريخ” اسما على مسمى! فالرجل عايش مراحل مختلفة من الكفاح المغاربي والوطني، كما عايش تجربة الحكم عن كثب في السنوات الثلاث الأولى من عمر الاستقلال الوليد، بعد أن اصطفاه أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، ليكون ضمن طاقم ديوانه مكلفا بالشؤون العربية.

وكانت المعايشة في كل مرحلة مزيجا من النشوة والمعاناة: نشوة التضامن الفاعل والكفاح الواعد والنصر المنجز، فضلا عن نشوة المشاركة في تأسيس عهد الاستقلال من جهة، وكلفة التضامن والكفاح والمشاركة من جهة ثانية. أي معاناة السجون والمنافي جراء كل ذلك.

فقد دشن حياته النضالية بالسجن في تونس الحماية الفرنسية، بسبب تضامنه مع كفاح شعبها الشقيق مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، وختمها بالمنفى في تيارت بعد أن طاله ما طال الرئيس بن بلة من سجن وعزلة، رغم سابق علاقاته الطيبة بالرئيس الراحل هواري بومدين!

ولد عبد الرحمان الشريف بالحمامات (ولاية تبسة) في 1 يوليو 1931، وكان والده إماما ومدرسا بالقرية. زاول دراسته الابتدائية بالمدرسة الفرنسية في مسقط رأسه، فضلا عن تعلم العربية وحفظ القرآن الكريم الذي ختمه وهو في سن الرابعة عشرة.

ومن الحمامات انتق إلى تبسة لمواصلة دراسته بمدرسة الشيخ العربي التبسي، قبل أن يلتحق بمعهد ابن باديس في قسنطينة خلال السنة الدراسية 1947 – 1948.

وفي الموسم الدراسي الموالي التحق بتونس لمواصلة دراسته بجامع الزيتونة.. وهناك هزته نكبة فلسطين، فحاول مع جمع من الرفاق الجزائريين والتونسيين التطوع، دفاعا عن هذا الثغر التاريخي موطن أولى القبلتين وثالث الحرمين. لكن السلطات الفرنسية والبريطانية تصدت لهم على الحدود التونسية الليبية، فتسلل البعض وعاد البعض الآخر، وكان الطالب عبد الرحمان ضمن الرعيل الثاني.

وينم هذا الالتزام القومي الإسلامي عن وعي وطني سابق لهذا الطالب المتحمس، بفضل احتكاكه بالحركتين الإصلاحية والوطنية الثورية في قريته، وذلك منذ مناكر 8 مايو 1945 خاصة.

وعند عودته إلى تونس خلال الموسم الدراسي 49 / 50 كان الزعيم الحبيب بورقيبة رئيس حزب الدستور الجديد قد عاد إلى وطنه، مصحوبا بانتعاش المقاومة السياسية، وبداية الاضطرابات الاجتماعية.

كان الطالب الزيتوني يشارك بعفوية زملاءه التونسيين في مختلف التظاهرات التي ينظمونها، استجابة لتعليمات هذا الحزب المعارض الرئيسي في البلاد.

 

في شبكات التسليح.. بتونس

هذه المشاركة النشيطة لم تكن تمنعه من مواصلة دراسته، رفقة أسماء أصبح لها شأن لاحقا في عالم الإعلام والثقافة والعدالة، أمثال الطاهر وطار وعبد الله الركيبي وعيسى مسعودي والطاهر عمراوي… إلخ، وحاول بدوره أن يمتهن الصحافة، عبر صحيفة الأخبار اليومية التي عمل بها مصححا ومتمرنا على الكتابة كذلك.

وفي الموسم الدراسي الموالي، شهدت تونس سلسلة من المظاهرات بإيعاز من الحزب الدستوري احتجاجا على تشكيل حكومة أسندت رئاستها إلى شخصية غير مرغوب فيها، وأدى تصعيد الموقف السياسي على هذا النحو إلى إبعاد الزعيم بورقيبة إلى جزيرة مالطة، وإلى اعتقال طالبنا نفسه طيلة 6 أشهر كاملة، ولم يفرج عنه إلا بعد المثول أمام محكمة عسكرية اكتشفت أنه جزائري، عرف الوضع بتونس بعد ذلك مزيدا من التصعيد، بعد أن انطلقت المقاومة المسلحة إثر حوادث مطلع 1952، هذه السنة التي انتهت باغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد في 5 ديسمبر. ونظرا لتعاطف الطالب الجزائري مع المقاومة التونسية عموما، كان من الطبيعي أن تنعكس الاضطرابات المتصاعدة على حياته الدراسية بجامع الزيتونة.

وفي صائفة 1954 عاد إلى الحمامات، فإذا بثورة التحرير تندلع بعد أشهر معدودة.. وبحكم سابق معرفته بتونس التحق في ربيع 1955 بشبكات الإمداد التي شكلت تحت إشراف البشير شيحاني قائد أوراس – النمامشة مع الثنائي السعيد عبد الحي وعبد الكريم هالي الذي كان ينشط انطلاقا من العاصمة التونسية وضواحيها.

وكانت خلية عبد الرحمان الشريف تضم أسماء تألقت لاحقا في سماء الكفاح التحرري، نذكر منها الشهيد الرائد علي السويعي والمجاهدين عمار دونة ومصطفى تيتي.. كانت الخلية تستلم مبالغ مالية من عبد الحي، لتنتشر بحثا عن الأسلحة التي كانت بحوزة المواطنين بتونس. أغلب هذه الأسلحة من مخلفات الحرب العالمية الثانية -مثل الخماسي الألماني و”ستاتي” الإيطالي- ويتم الحصول عليها شراء في الغالب، وإن كان بعض الأشقاء التونسيين يفضلون التبرع بها.

وقد اتسعت العملية إلى شراء ألبسة وأحذية الميدان وكذلك المناظير.. وكانت عناصر الخلية تتقمص صفة التجار، وتقوم بإرسال ما جمعت من إمدادات بواسطة القطار، تجنبا لحواجز المراقبة على الطرقات، علما أن تونس لم تكن استعادت يومئذ كامل استقلالها بعد. وكانت هذه الإمدادات توجه أساسا إلى المناطق الحدودية الشرقية من سوق أهراس إلى الأوراس مرورا بجبال النمامشة.

وفي ربيع 1956 أرسل رمضان عبّان -في إطار محاولة “قيادة الداخل” فرض سلطانها على قواعد الثورة بالخارج- كلا من المحامي مزيان آيت حسن والشيخ حامد اروابحية في مهمة إلى تونس.. لكن هذا الثنائي ما لبث أن اصطدم بالنظام القائم هناك ممثلا في عبد الحي خاصة.

وحسب محدثنا فإن حوارا حدث بين الطرفين بهدف تجاوز الإشكال القائم، وشكلت لهذا الغرض لجنة شارك فيها الأزهر شريط وكل من عبد الرحمان الشريف وجمال ڤنان. ويرجع الشاهد فشل الحوار إلى “ميل مبعوثي عبان إلى حكومة بورقيبة” التي كانت ترى أن جماعة عبد الحي قد انحازت إلى صالح بن يوسف الأمين العام لحزب الدستور، والذي كان يومئذ في خلاف حاد مع رئيس الحزب.

 

رسالة من لغرور إلى بن بلة

وفي أواخر يوليو من نفس السنة، خرج إلى تونس عباس لغرور رفقة محمود منتوري (ليسانس في الحقوق) والتيجاني عثماني (من ثوار فاتح نوفمبر بناحية خنشلة).. وكان حينئذ يواجه خروج منطقة النمامشة عليه، بعد أن أسندت أمرها إلى الأزهر شريط ورفاقه.

وقد كلف لغرور محمد الهادي عرعار وعبد الكريم هالي وعبد الرحمان الشريف بنقل رسالة عاجلة إلى القاهرة وتسليمها إلى أحمد بن بلة مسؤول التسليح في الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني. وتم ذلك فعلا، وقد علم الشاهد من الرئيس بن بلة غداة الاستقلال، أن الرسالة تتضمن طلب كمية هامة من الأسلحة، في أجواء تأزم علاقات مصر بكل من بريطانيا وفرنسا اثر تأميم قناة السويس، في ذكرى انتفاضة 23 يوليو 1952 التي أطاحت بالملك فاروق. عرض بن بلة الطلب على الرئيس عبد الناصر بحضور المشير عبد الحكيم عامر، المكلف بوزارة الدفاع، فكان رأي هذا الأخير أن تلبية الطلب غير ممكنة في الحال، بحجة احتمال تعرض البلاد إلى عدوان وشيك بسبب أزمة القناة بالذات. لكن الرئيس عبد الناصر رد عليه قائلا: “هناك فرق في الأولويات بين حرب مستعرة وحرب منتظرة”!

وفي سبتمبر 1956 شهد مركز جبهة التحرير بمندوبة مناوشة مسلحة بين جماعة لغرور وجماعة الأزهر شريط، أدت إلى تدخل الحرس الجمهوري التونسي واعتقال لغرور رفقة عبد الحي وهالي ومنتوري، ولم ينجُ من الاعتقال بعض مساعديهم أمثال عبد الرحمان الشريف وجمال ڤنان، ولحسن الحظ أن اعتقال المساعدين لم يدم طويلا أن أفرج عنهم بعد مجيء أحمد (علي) مهساس إلى تونس وتدخله لدى حكومة بورقيبة.

بقي الشاهد بتونس رفقة عبد المجيد الشريف(1) والمولدي بوغزالة، بينما فضل ڤنان الالتحاق بالقاهرة.. وفي ربيع 1957 انتدب إلى مهمة خاصة: مرافقة الرائد عميروش الذي كلف بمحاولة صلح مع الطالب العربي ڤمودي التونسي، محافظا على علاقاته ببعض أنصار صالح بن يوسف.. وقد تم الاتصال بين الرجلين ناحية تامغزة واستغرقت المحادثات بينهما ثلاثة أيام لكن بدون نتيجة.. وفي نفس الفترة تقريبا تمكن أوعمران -باسم جماعة الصومام- من تحييد أحمد مهساس بتونس.. وانعكس ذلك سلبا على معظم من كانت لهم علاقة ما به والوفد الخارجي في تشكيلته السابقة عامة (2). وكان الشاهد من بين المغضوب عليهم.

وتجنبا للتهميش التام وما يمكن أن ينجر عنه من سوء العاقبة، فضل عبد الرحمان الشريف العمل مؤقتا مع عباس التركي مدير “شركة النجاح”، الغطاء التجاري لتموين جيش التحرير الوطني بالمواد الغذائية خاصة، وكان مقر الشركة يومئذ بحي الصادقية.

هذا العمل لم يحم شاهدنا من الاعتقال مرة أخرى، بمبادرة من الرائد قباسي حَمَاي ممثل جماعة الصومام الجديد بقاعدة جبهة التحرير في تونس!

غير أن مدة الحبس في مرناڤ بضواحي العاصمة التونسية لم تزد على شهرين، عاد أثرها إلى عمله مع عباس التركي. وغداة تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ـ في 19 سبتمبر 1958 ـ انتدب محدثنا للعمل بإذاعة الجزائر بطرابلس، وقد مكث هناك قرابة السنة مع الشيخ محمد الصالح الصديق.

 

بومدين “يحرر” بن بلة من بوالصوف!

عقب ذلك، عين بمكتب الحكومة المؤقتة في بنغازي التي كانت محطة هامة في الدعاية للثورة، وإمداد جيش التحرير بالعتاد والأسلحة، علما أن قوافل الأسلحة كانت تستريح بمزرعة في سيدي خليفة.

ونظرا لموقع بنغازي الاستراتيجي، كان من الطبيعي أن تتعدد مهام مكتب الحكومة المؤقتة بها: من الدعاية للثورة في الإذاعة المحلية، إلى نقل البريد ما بين القاهرة وتونس إلى الحصول على تأشيرات للطلبة، فضلا عن إدارة ثانوية خاصة بالجبل الأخضر ـ دائرة دَرْنَة ـ كانت تأوي 300 تلميذ من أبناء الشهداء واللاجئين.

وإلى جانب كل ذلك، كان المكتب يشرف على أسابيع التضامن مع الثورة الجزائرية، وهي على مدار السنة تقريبا، لعبت فيها المرأة الليبية دورا بارزا، إذ كانت تعبر عن تضامنها بالتبرع بحليها.

كان القائم على المكتب ينسق أيضا مع مسؤول الإمداد بالناحية عبد الله أنواورية. وقد بقي الشاهد في مكتب بنغازي حتى وقف القتال.

وفي أبريل 1962 قدم “الزعماء الخمسة” من القاهرة إلى البيضاء في الجبل الأخضر حيث يقيم الملك إدريس دوريا، وهناك استقبلهم في أجواء استقبالات جماهيرية ضخمة: تلقى عبد الرحمان الشريف مفاجأة لم يكن ينتظرها: لقد رغب منه أحمد بن بلة ـ النائب الثاني ـ رئيس الحكومة المؤقتة ـ أن يكون ضمن طاقمه الخاص، ويتأهب للانتقال معه فورا إلى طرابلس ثم إلى تونس!

لم يكن أمام محدثنا من اختيار غير الامتثال، وهكذا وجد نفسه في حاشية بن بلة، عندما نزل بمطار قرطاج وهو يردد بنرفزته المعهودة: “نحن عرب! نحن عرب!، نحن عرب!”

ويكشف لنا الشاهد عن وجه آخر من أوجه السباق على السلطة، فقد حرصت مصالح بوالصوف في تونس على استضافة الزعماء الخمسة حسب التوزيعة التالية:

ـ بن بلة في دار خاصة بـ “بلفدار”

ـ خيضر وآيت أحمد في دار بقرطاج

ـ بوضياف وبيطاط في دار بـ “صلامبو”

وما أن استقر بن بلة في بلفدار حتى نزلت عليه بعثة من هيئة الأركان العامة، تضم عمر بن محجوب رفقة عبد الغني وبوتلة وهوفمان.

بادرت البعثة بالتشكي من الحصار المفروض على هيئة الأركان بالاتفاق بين الحكومة المؤقتة والحكومة التونسية، كما يدل على ذلك عدم دعوتها لحضور استقباله ورفاقه بمطار قرطاج، وأبدى بن بلة لبعثة هيئة الأركان تعاطفه، مؤكدا على أنها تمثل شباب الثورة الذي يواجه ساسة محترفين!

وجاءت عقب ذلك بعثة ثانية بقيادة الدكتور محمد الصغير النقاش بمهمة “تحرير” بن بلة من جماعة بوالصوف، بنقله فورا إلى دار أخرى بحي “مونفلوري” تشرف عليها هيئة الأركان العامة!

(يتبع)

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!