الوفاء بالعهود أولى من العهدة الرابعة!!
بعيدا عن الجزائر، يشدك الحنين والشوق إلى الأهل والوطن، وتزداد نبضات القلب عشقا كلما اقترب موعد السفر إليها، وعندما تغادرها ينتابك الخوف عليها والخوف من عدم رؤيتها مجددا، وهي مشاعر وأحاسيس يتقاسمها كل المغتربين مهما كانت ظروفهم ودوافع هجرتهم.. ولكن عندما تقضي بضعة أيام، وتتجول بين أحيائها ومدنها وقراها، وتتحدث إلى الصغير والكبير والوزير والغفير، وتتحسس مخاوفهم وانشغالاتهم، وتقرأ وتسمع وتشاهد كل الذي يحدث، تدرك مدى إحباطهم وحجم آلامهم ومخاوفهم على وطن وشعب يستحقان أفضل مما هما عليه، وتدرك حجم مخاوفهم من مخاطر تهدد الدولة ومؤسساتها ومستقبل أبنائها بسبب مسؤولين أنانيين لا تهمهم سوى أنفسهم والمزايا التي يجنونها من مواقعهم، وأتباع لهم يبحثون عن التموقع مجددا دون أدنى اعتبار للمبادئ والأخلاق..
معنويات أبنائنا اليوم منحطة بسبب مشاعر الخوف من المستقبل والجمود السائد والغموض المستمر والنهب الممنهج للثروات دون رقيب أو حسيب، وبسبب الارتباك المتزايد من كثرة الإشاعات في غياب الثقة المتبادلة والتواصل المستمر والأخبار الصحيحة عن صحة الرئيس ومدى قدرته على القيام بمهامه وتحمل مسؤولياته، وغياب ملامح الرؤية الواضحة لمستقبل الوطن رغم كل الكفاءات الموجودة والنيات الصادقة المتوفرة وكل الثروات والقدرات التي نزخر بها.
الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية غائبة أو مغيبة تنتظر معرفة اتجاه القبلة لتصلي، وحتى أولئك الذين كانوا ينادون بالعهدة الرابعة خفتت أصواتهم منذ مرض الرئيس ولم يقدروا حتى على الدعاء له بالشفاء رغم أنهم كانوا من المطبلين والمزمرين والمنتفعين.. حزب الأغلبية في سبات عميق دون أن يقدر على عقد اجتماع لجنته المركزية وانتخاب أمينه العام لأنه ليس سيد قراره والتوصيات والتوجيهات التي تصله متباينة ومتضاربة وغير واضحة المعالم !! أما بعض المؤسسات، فهي مشلولة وضعيفة وغير قادرة على مواكبة الأحداث وتحمل مسؤولياتها السياسية والتاريخية لأنها تفكر في مصير العهدة الرابعة من عدمها عوض التفكير في الوفاء بعهودها مع مواطنيها، والتفكير في استعادة الثقة المفقودة وهيبة الدولة المهزوزة، واسترجاع تلك المعاني السامية التي نسعى إليها في مجتمع لن نيأس في بنائه على أسس لا تزول بزوال الرجال..
استمرار الغموض والشكوك وتفشي اليأس واللاوعي يوحي بوجود نيات خبيثة لتلويث المشهد السياسي والاجتماعي لاحقا ليحل الطوفان رغم جهود الرجال في بعض المواقع من الذين لا زالوا يعتقدون بأن المسؤولين المباشرين سيتحملون مسؤولياتهم ويكونون في مستوى الأمانة التي ائتمنوا عليها، ولا زالوا يعتقدون بأن التغيير الموعود قد يأتي من أناس لا أمل فيهم اعتمدوا الولاء منهاجا للتسيير وقتلوا الكفاءات وحطموا الرجال واعتبروهم عبيدا..
شعبنا المكافح والصبور لا يزال ملتزما ومتماسكا ومتفائلا، وسيبقى كذلك لأنه يتحلى بروح المسؤولية أكثر من بعض المسؤولين أنفسهم، ولكن بعد عمر طويل سيدرك كم أخطأنا التقدير وفشلنا في الاختيار والتدبير والتسيير، وسيدرك كم كان التقصير كبيرا في حق أنفسنا وشعبنا ووطننا، وكم كان الظلم كبيرا والحقد دفينا والنهب منظما والجهل متفشيا ووو..