الرأي

الوفد الإسرائيلي في مالطا.. وداعا يا”فاليتا”

عمر أزراج
  • 2422
  • 5

كانت الفترة الممتدة من 1990م إلى 1995م، التي عملت فيها كمحرر مسؤول على صفحة الرأي السياسي بجريدة “العرب الدولية”، من أصعب وأقسى المراحل التي مررت بها في حياتي الاعلامية، والسياسية، والثقافية، والفكرية، وهي المرحلة التي أحدثت انقلابا عاصفا في نظرتي إلى الاعلام الغربي، والعربي، والسياسة الدولية، والمثقفين العرب، وما كان يسمى بـ”الوحدة العربية”.

في هذه المرحلة بالذات طوقني الحزن والألم جراء دخول بلادي الجزائر في نفق دموي مظلم بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية في 11 جانفي 1992 وتعمق قلقي أكثر عندما شرعت الدول الغربية في تهديد الجزائر ومفاعلاتها النووية السلمية في الوقت الذي ضُرب الحصار على العراق وطولب أن يختار بين الحرب ضده مرة أخرى وبين الاذعان بلا شروط ونزع أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك تفكيك برنامجه النووي

كما صدمت بقوة بسبب انكسار وتفتت القطب الاشتراكي العالمي بعد تفكّك الاتحاد السوفييتي رسميا في ديسمبر عام 1991م. لقد رأيت بعينيّ كيف رقص الغرب الرأسمالي في الساحات ابتهاجا بذلك الحدث التاريخي الحاسم والخطير الذي كان يمهّد لتحطيم حلم المضيّ قدما على طريق بناء مجتمعات المساواة، والعدالة الاجتماعية بعيدا عن شبح التفاوت الطبقي الفاحش الذي ترتكز عليه دعائم العقيدة الرأسمالية المستغلة.

في هذه الأثناء خرجت وسائل الإعلام الغربية، ومعها الصحف والفضائيات العربية اليمينية تطبّل للأيديولوجية الليبرالية الرأسمالية، وتتشفى من كل شيء له صلة بالاشتراكية حتى وإن كانت بدائية بيروقراطية، وغير مؤسسة على الديمقراطية، والعلم، والفكر وشروط الخصوصيات كتلك التي رأيناها في معظم دول العالم الثالث، بما في ذلك الجزائر قبل أن يقطع دابرها الرئيس الشاذلي بن جديد ليحل محلها رأسمالية بدائية يتزعمها الحزب الواحد ويلعب في ملعبها أثرياء اختفوا لوقت طويل ثم أخرجوا آذانها في الهواء الطلق، وأغنياء جدد معبأة رؤوسهم جميعا بالثقافة الإقطاعية الغارقة في التخلف.

 في هذا المناخ صدر في عام 1992 كتابنهاية التاريخ والإنسان الأخيرللمفكر الياباني الأصل، والأمريكي الجنسية فرنسيس فوكوياما والذي جاء في صورة تطوير وتوسيع للأفكار التي شحن بها من قبل مقاله المنشور في عام 1989م على صفحات مجلةناشيونال انترستالأمريكية.

يرتكز هذا الكتاب على فكرة أساسية وهي كما يرى فوكوياما نفسه أنقدوم الديمقراطية الغربية يمكن أن يشير إلى نهاية التطور الثقافي والاجتماعي البشري، وأنها آخر شكل للحكم في تاريخ البشرية“. هذا الكتاب تلقفته المكتبات في لندن وفي المدن البريطانية الأخرى، ووزعته على نطاق واسع، وهلّلت له الدوائر اليمينية، واعتبرته بمثابة شهادة هذا العصر كله على انتصار الغرب الرأسمالي بشكل لا رجعة فيه على الشرق بكل تفريعاته الجغرافية، والجيوسياسية والعقائدية الكبرى التي تشتمل على فضاء ما يسمى بـالعالم الثالثالذي كان في زمن حركات التحرير الوطني ضد للمركزية الغربية وأسسها الأيديولوجية، والثقافية، والسياسية وهلمَ جرا.                             

في خضم هذه التحولات الدراماتيكية الكبرى التي كانت تعصف بتخوم نهايات القرن العشرين، شرع اليسار الأوروبي في البحث عن أشكال جديدة أخرى لمقاومة هذا المدّ الرأسمالي على مستوى الخطاب الإعلامي، وفي المنظومة التعليمية، والتنظيم العقائدي، وفي جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني.

 في هذه الفترة بالذات وصلتني، إلى مقرّ جريدةالعرب الدولية، دعوة من منظمة الأحزاب الاشتراكية والتقدمية لحوض البحر المتوسط وقعها رئيسها حينذاك، وهو رئيس وزراء مالطا السابق السيد كارمنو مسفود بونيتشي لعهدة (1984- 1987م) وابن عمّ رئيس دولة مالطا السابق أيضا. لقد نصّ مضمون تلك الدعوة على أن أشارك في اجتماع المجلس العام لتلك المنظمة، وفي فيما بعد اكتشفت أن الذي اقترحني كان صديقي القديم الدكتور ميلود المهذبي أستاذ القانون الدولي في الجامعة بليبيا الذي كان يشغل أيضا منصبا كبيرا في رئاسة هذه المنظمة الدولية. في البداية ظننت أن حضوري لن يتعدى حدود المشاركة بمداخلة حول أزمة اليسار، ولكن الأمر لم يكن كذلك.

 عندما وصلت إلى فاليتا عاصمة مالطا قدمني الدكتور المهذبي إلى رئيس وزرائها السابق السيد بونيتشي، ولمسؤولي مجلس المنظمة الذين كانوا جميعا إمّا أعضاء منتخبين في برلمانات بلدانهم بدول البحر الأبيض المتوسط، أو أعضاء في المكاتب السياسية لأحزابهم العمالية الاشتراكية، أو اليسارية.

 في الجلسة الافتتاحية، سمعت السيد بونيتشي يذكر اسمي مقترحا على أعضاء المجلس النظر في إمكانية قبول ترشيحه وترشيح الدكتور المهذبي لي بصفة شخصية وليس بصفة ممثل للجزائر لعضوية الأمانة التنفيذية لهذه المنظمة، وعند انتهاء الجلسة أخبرني الدكتور المهذبي أن القضية سيُبتّ فيها في اليوم التالي، وهنا أدركت أن المسألة جدية فعلا.

 في مساء اليوم التالي، دُعيت إلى قاعة الاجتماعات لأحضر أعمال الجلسة التي انعقدت مباشرة بعد انتهاء أعضاء المجلس من اجتماعهم الصباحي وتناول الغداء، وحينذاك تناول السيد بونيتشي الكلمة التي تضمنت الترحيب بي مجددا، والإعلان عن موافقة الجميع على قبولي كعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة الأحزاب الاشتراكية واليسارية لحوض البحر الأبيض المتوسط.

عندما غادرت مالطا إلى لندن، رحت أتساءل مع نفسي: لماذا وقع الاختيار عليّ علما أنني لم أكن يوما مصنّفا كحزبي يساري، أو شيوعي، أو اشتراكي؟ وهل كان ذلك عملاً ليبياً من وراء الستار لأنني كنت معارضا لنظام الشاذلي بن جديد ولتوجهاته الرأسمالية التي خصصت لها في ذلك الوقت الكثير من المقالات النقدية في مجلةالدستورومن ثم في جريدةالعرب الدوليةالصادرتين ببريطانيا؟ أم أن ثمة ألغازا سأكتشفها فيما بعد؟

لا أخفي سرّا أنني سعدت كثيرا أن أكون في مثل هذا الموقع الدولي اليساري لأحتك فيه بالأفكار والتجارب السياسية والفكرية، وأن أستوعب مشكلات اليسار الأوروبي بشكل خاص. إلى جانب هذا الهدف فقد كنت آمل أن أتغلب على كآبة غربتي في المجتمع البريطاني الرأسمالي التي طالت عليّ، وأن أفعل شيئا ما ضد الرأسمالية التي أمقتها وأكرهها.

 بعد انتهاء أشغال الجلسات، عدت إلى بريطانيا، وخلال مدة لا تتعدى شهرين وصلتني من السيد بونيتشي دعوة لحضور اجتماعي رسمي للأمانة التنفيذية إلى جانب المشاركة بمداخلة في ندوة فكرية بمقر المنظمة بمالطا.

وأنا في قاعة التحرير بجريدةالعربأعلمني الصديق حسن الهوني، الذي كان في ذلك الوقت مدير تحرير هذه الجريدة، أنه قد دعي أيضا لحضور تلك الندوة، وفي يوم السفر التقينا بمطار هيثرو وانطلقنا معاعلى متن الطائرة إلى جزيرة مالطا التي تفيد الدراسات التاريخية أن أغلبية مواطنيها قد انحدروا من شجرة القرطاجنيين، والفينيقيين الساميين.

 في اليوم الذي وصلنا فيه، سمعنا في الكواليس أن الوفد الإسرائيلي عن حزب العمال، الذي كان يرأسه شمعون بيريز، قد وصل أيضا ليشارك في أعمال الندوة، ولكي ينضمّ ممثلٌ عنه إلى الأمانة التنفيذية. في تلك اللحظات المتوترة قال لي الأخ حسن الهوني مازحا بسخرية: “يبدو يا صديقي أنك ستصافح شمعون بيريز في المنصة وستكمل التطبيع الذي دشنه الرئيس أنور السادات، وهنا سألته: “هل سيوافق الوفد الليبي على الوفد الاسرائيلي؟فأجابني بطريقته المرحة الساخرة بسؤال ذكي: من سيرفع الحصار عن ليبيا إذن؟.

شعرتُ بالقلق يسري في مفاصلي، ثم اتفقنا معا أن نمكث في غرفتينا ولا نحضر الجلسات أبداً، وبالفعل فقد تمسّكنا بهذا الموقف وعدنا إلى لندن بسلام، وتركنا المنظمة وراءنا، ولم أر مالطا مرة أخرى

مقالات ذات صلة