-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الوفرة وغلاء الأسعار!

الوفرة وغلاء الأسعار!

يواجه الجزائريون ظاهرة اقتصادية غريبة لم يقرأوا عنها في كتبهم المدرسية ولم يسمعوا عنها في أسواق العالم عبر التاريخ، من سوق عكاظ إلى أسواق النفط الحديثة، فالمسؤولون يقولون ويؤكدون ويبصمون إلى درجة القسم، بأن كميات البطاطا المتوفرة حاليا في كل الحقول، تكفي لإطعام قارّة بأسرها وبأثمان بخسة، ومع ذلك ترتفع أسعارُها وتختفي عن الأنظار في معادلة اقتصادية تضرب الوفرة مع نزول الثمن، والندرة مع ارتفاع السعر، وإذا كان المواطن قد دخل في حيرة من أمره فإن البائع والمسؤول لم يتمكّن من إقناع نفسه، فما بالك بهذا المواطن، الذي ارتضى مع سبق الإصرار والترصد، بأن تكون البطاطا طبقا أساسيا له، ورفض طلاقها بالرغم من خروجها من بيت طاعته، بندرتها حينا وغلاء مهرها أحيانا أخرى.

يبدو أن مسلسل أسعار البطاطا في الجزائر، لن ينتهي إلى ما يتمناه المستهلِكون لهذا الطبق، ويمكن تواصل المسلسل بأرقامه الصاعدة والنازلة، كما هو حال أسعار النفط في العالم، في إصرار الناس على متابعة المسلسل بكل فصوله والتمسك بالبطاطا كمادة أساسية وتكاد تكون مسألة حياة أو موت، بالرغم من أن هذا الطبق فقيرٌ غذائيا ولا يمثل ثقافة أكل جزائرية، كما هو الحال مع الأطباق الجزائرية التقليدية والغذاء الأصيل، الذي منبته هذه الأرض الطيِّبة التي تعطي التمر من نوع “دقلة نور” بسعر يفوق بعشرة أضعاف سعر البطاطا، وزيت الزيتون الجزائري الذي يزيد سعر اللتر منه عن سعر البطاطا بعشرة أضعاف، من دون أن يثور المواطنون ولا أن يُحدِث الأمر طوارئ لدى المسؤولين، الذين لا يكاد يكون لهم من شغل في هذه الأيام سوى حكاية البطاطا التي هي في الأصل طبقٌ قادم من هناك، لأجل أن تُطهى منها أطباقٌ فرنسية وإنجليزية وأمريكية من عائلة “frite. puree” وبقية المشتقات.

التحديات الكبرى التي تنتظر البلاد ضمن مشروع الأمة أو كما سمّاها الرئيس نفسه “قضية أمة”، هو الرفع من مستوى إنتاج المواد الغذائية الأساسية، التي جعلتنا أشبه بالمقيَّدين باستعمالها مثل القمح والسكر والحليب واللحوم… وليس طبق البطاطا الذي يضعنا بين زيت مستورَد لقليها وخبز مستورد قمحه لأكلها، ولن يتحقق ذلك من خلال جهد الحكومة فقط، وإنما بتخلي المواطن أيضا عن الكثير من العادات السيئة، التي جعلتنا نعيش مسلسل البطاطا على مدار سنوات ونشارك في البطولة، إن لم نكن نحن منتجي الفيلم وكاتبي السيناريو ومخرجيه.

حان الوقت لغلق ملف البطاطا نهائيا، من خلال تنظيم سوقها وتركها على ميزان قانون العرض والطلب وأن لا تتحول إلى قضية شعب، يرفع سعرُها المنخفض معنوياتِه، ويُحبط سعرُها المرتفع معنوياته، وأن لا تكون مشروع حكومة تحرق عهدتها في سبيل جعلها في متناول المواطنين، لأنها مهما كانت، فهي مجرد.. بطاطا!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!