الرأي

الوقار

بالرغم من أن لعبة كرة القدم ليست حاسمة، ولا حتى ذات وزن في حياة الأمم، وهي بالكاد مجرّد لعبة ترفيهية، أريدَ لها أن تلعب دورا سياسيا واقتصاديا ومعنويا لدى بعض البلدان، في بعض الزمان والمكان، وليس كله، إلا أنها قد تكون في حالة النجاح، نموذجا يقتدى به في بقية الرياضات، وحتى المجالات الثقافية أو المهنية التي تعاني عندنا بالخصوص من وجود ديناصورات وإمّعات ووصوليين وأنانيين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.

الندوة الصحفية التي نشطها مدرب المنتخب الجزائري لكرة القدم جمال بلماضي، يوم الخميس، كانت نموذجا في الوقار، الذي يجب أن يتصف به أي مسؤول صغير أو كبير في منصبه. فقد افتقدنا التواضع والمنطق، حتى صار كلام غالبية المسؤولين عندنا مثل البالونات المنفوخة بالهواء فقط، ولن نتحدث عن العمل، لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يُعطيه لفظا ولا تطبيقا.

معالجة الناخب الوطني جمال بلماضي، لـ”قضية ديلور” كانت معجونة بالاحترافية التي تسقط فيها العاطفة وعدم الجرأة على اتخاذ القرارات الحاسمة، حيث بدا الناخب الوطني متحمِّلا لمسؤولياته، وغير متدخِّل في شؤون من سيخلفه مستقبلا في منصبه، ومحترما لقرارات اللاعب الذي أراد أن يكون المنتخبُ الجزائري مجرد فسحة بالنسبة إليه، يهيم فيه وبه كلما أراد، فاحترم بلماضي خياراته كما احترم خيارات مزدوجي الجنسية من أمثال حسام عوار وأمين غويري، وحتى الذين لا يُرضيهم غير هؤلاء، ومارس صلاحياتِه وأبعد اللاعب عن تشكيلته السائرة نحو مونديال قطر، وأعطاه فرصة العودة ولكن خارج حدود تواجد الناخب الوطني وفترته الزمنية الحالية. وديلور الذي قال ذات مرة للصحافة الفرنسية عندما عاد “الخُضر” من مصر متوّجين بلقب القارة الإفريقية، بأنه أسعد إنسان في العالم ولا يمكنه نسيان استقبال الجزائريين الأسطوري للاعبي المنتخب الجزائري، وكان منهم، سيُحرم من سعادة المشاركة في كأس العالم، التي هي حلم كل لاعب كرة على وجه الكرة الأرضية.

اتِّخاذ القرار المناسب الموزون بالمنطق وبالوطنية، من دون شعارات جوفاء أو عنترية أو سوء تدبير وتخطيط، هو ما افتقدناه في العقود الأخيرة، فأفقدنا الثقة بالنفس، وجعل كل تصريح أو قرار ينتهي بندم غير نافع.

كل مسؤول مطالَب بتقديم نفسه قبل أن يتولى شؤون الناس، على شاكلة هذا القائد لمنتخب الجزائر، من حيث الثبات والالتزام وخاصَّة الوقار الذي يجعلك تحترمه حتى ولو أخطأ ضمن المعادلة الربانية التي تمنح للمجتهد أجرا حتى ولو فشل في تحقيق النجاح، وللخطّاء الخير إن كان من التوّابين.

تفصلنا بضعة أسابيع عن الانتخابات المحلية التي ستزرع في كل بلدية شيخا يتواصل مع الناس ويستمع لانشغالاتهم ويحاول معالجتها، وسيجد نفسه مثل الناخب الجزائري بعناصر منها من يسير معه إلى غاية الهدف، ومنها من يتلوّن على الطريقة “الديلورية”، وإذا لم يتّصف بالوقار المطلوب فإننا سنكرر أخطاء الماضي التي جعلت واقعنا مثل المنايا خبط عشواء، من تصب تُمِتْه، ومن تخطئه يعمّر فيهرم، على حد تعبير الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى.

مقالات ذات صلة