الرأي

امرأة‮ ‬بجناحين؟

الشروق أونلاين
  • 4128
  • 20

لا يوجد من قال أحسن من الشيخ عبد الحميد بن باديس، في العصر الحديث عن المرأة، عندما حثّها أن تلِد لنا رجالا يطيرون، لا أن تطير هي بنفسها، وهو الذي عاش الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر في جويلية عام 1930، ولاحظ كيف أرادت فرنسا أن تقدم للعالم إنجازها الكبير بعد قرن من الاستقلال في احتفالية كبرى بالعاصمة، حيث قدّمت خمس نساء جزائريات، كانت تمنّي النفس أن يظهرن باللباس الأوروبي الفاضح، ولكنهن أمهات الجميلات فاجأن العالم بـ”الحايك” الأبيض، كدليل على رفضهن الطيران اقتداءا بنصيحة العلامة بن باديس، وولدن بعد ذلك رجالا طاروا‮ ‬على‮ ‬مدار‮ ‬سبع‮ ‬سنوات‮ ‬ونصف،‮ ‬فغلب‮ ‬طيرانهم‮ ‬الميراج‮ ‬وغيرها‮ ‬من‮ ‬الطائرات‮.‬

رجال البرلمان الجزائري الذين صاموا عن القول، منذ أن تسلموا زمام ما يسمى مجازا بالتشريع منذ ماي 2012 في غياب أي إنجاز حققوه، عادوا هذه المرة ليقدموا “إنجازا” من ورق، هم يعلمون قبل غيرهم أن لا يدا لهم فيه، ويعلمون مثل غيرهم أنه ليس إنجازا أصلا، بزعمهم تحقيق ثلث تعداد المجلس الشعبي الوطني من العنصر النسوي، وابتهاجهم بالمركز المتقدم الذي تحتله الجزائر في العالم، من حيث تمثيل المرأة في غرفة البرلمان، حتى تفوقت على بلدان كبيرة مثل النمسا وألمانيا، ومن سمّاها رئيس المجلس بـ”دولة” إسرائيل.

والمرأة الجزائرية تعرف مثل الرجل أنها شريكة له في التخلف، فهي شريك في تواجد أحسن جامعة جزائرية في المركز ما بعد الخمسة آلاف، رغم تواجد المرأة في الجامعات الستين وفي تعداد المليون ونصف مليون طالب برقم يفوق تعداد الرجال، وهي شريكة له في خيباتنا العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية، منذ أن طلب منها أن تطير مثله، وأوهمها بأنه حقق إنجازات كبرى وحان الوقت لتساعده، فأنساها ونسيت دورها الرئيسي في أن تلد لنا رجالا يمنعون عبد المؤمن خليفة، وشكيب خليل وعاشور عبد الرحمان، من أن يمدوا أيديهم لجيوبنا، ورجالا يلحقوننا بركب البلدان الكبرى التي منها من لا يمتلك قطرة من بحر نفطنا، وشبرا من قارتنا المطل رأسها على أوربا، والممتدة قدميها في أدغال إفريقيا، ولا حتى نسبة مئوية من عدد النساء في الجزائر.

العيد هو دائما عودة للذات وإصلاح ذات البين، والعيد هو محطة للاعتراف بالخطأ ومباشرة إصلاح ما أفسده الدهر بالنسبة للفرد وللأمة، ولكنه عندنا اقتصر على البهرجة والإحصاءات الفارغة، لأن رجالات البرلمان يعلمون قبل نسائه بأن “الكوطة” النسوية الإجبارية هي التي حققت هذا”الإنجاز” الوحيد الذي حققته المرأة خلال السنوات الأخيرة، والنساء يعلمن أنه لولا هذا القانون “الإجباري” ما تحقق لهن مقعد واحد في البلديات وليس في البرلمان، أمام غول “المال” الذي ابتلع أصحاب الشهادات العليا، ودواهي السياسة، فما بالك بالقوارير اللائي وجدن‮ ‬أنفسهن‮ ‬في‮ ‬الفضاء‮ ‬دون‮ ‬إرادتهن،‮ ‬وهن‮ ‬لم‮ ‬يطرن‮ ‬كما‮ ‬أُريد‮ ‬لهن‮ ‬في‮ ‬جويلية‮ ‬1930،‮ ‬ولم‮ ‬يلدن‮ ‬لنا‮ ‬رجالا‮ ‬كما‮ ‬أراد‮ ‬لهن‮ ‬الشيخ‮ ‬عبد‮ ‬الحميد‮ ‬بن‮ ‬باديس‮.‬

مقالات ذات صلة