الشروق العربي

“امشِ في جنازة.. وما تمشيش في زواجة”.. وسطاء التزويج في فم المدفع!

ليلى حفيظ
  • 1682
  • 0
بريشة: فاتح بارة

طرق تعارف الجنسين بغرض الزواج كثيرة ومتنوعة، منها أن يُرشّح لك أحدهم فلانة أو علانة، ويكون وسيطا بينكما، ويسعى ليجمعكما في الحلال. هذه المهمة يضطلع بها الكثيرون في مجتمعنا. لكن نهاية سعيهم لتزويج الغير، قد لا تكون محمودة دائما. فتنتهي بهم الحال والمآل إلى أن يُلاموا ويُشتموا على ترشيح شريك زوجي غير مناسب، أو على زيجة غير موفقة فاشلة. لهذا، صار شعار العديد من الناس في هذا الشأن: “امش في جنازة.. ولا تمشي في زواجة.”

سعيكم غير مشكور

“شوفيلي عروسة لوليدي”.. انطلاقا من هذا الطلب، كانت تشرع السيدة حورية في البحث عن عروس لكل من تطلب منها ذلك. وغالبا، ما وفقت في تزويج الكثير من الشباب والشابات، وحتى الشياب. ولكنها، كثيرا ما كادت تتوقف عن ذلك العمل الخيري، لأن الأمر، كما تؤكد: “لا ينتهي على خير دائما. فصحيح، كلما نجحت في التقريب بين اثنين وتزويجهما، كنت أُحمل على كفوف الراحة. ويتم تبجيلي وتكريمي، سواء من أهل العروس أم أهل العريس. لكن، في أحيان أخرى، ما إن تفشل الزيجة أو يكتشف أحد الزوجين عيوبا في الآخر، حتى يبدأ لومي وتقريعي واتهامي بالغش والتدليس، رغم أني- والله يشهد على ذلك- أتحرى الصدق في مهمتي، التي أحتسب فضلها عند الله- تعالى-. لهذا، صرت مقتنعة بالمثل القائل: “امش في جنازة وما تمشيش في زواجة.”، على الأقل إذا مشيت في جنازة فسيكتب لك من الأجر قيراط أو قيراطان. ولكنك، لو سعيت في زواج اثنين ووفقت بينهما في الحلال ثم ظهرت بينهما مشاكل لا ناقة لك فيها ولا جمل، فستكون المسؤول الأول عن ذلك. وستوضع في فم المدفع.”

خيرا تعمل.. شرا تلق

إن التوسط في الزواج وترشيح عروس لأحدهم أو عريس لإحداهن، والسعي في تزويج العزاب والعازبات، هو باب من أبواب الخير والمساعدة في القضاء على العنوسة، وسد منافذ الفاحشة. لكن فاعله قد يجازى جزاء سنمار على صنيعه، مثلما حدث مع السيد عثمان، الذي سأله أحد جيرانه يوما، أن يبحث له عن عروس مناسبة. وبالفعل، لم يدّخر الرجل جهدا في السعي لإيجاد فتاة ملائمة له. وتمت الخطبة، واقترب العرس. ولكن، فجأة، من دون سابق إنذار، ألغى أهل العريس الزفاف، وهجموا على السيد عثمان هجمة رجل واحد، يُسائلونه ويتهمونه بالخداع والغش، لأنهم اكتشفوا أن العروس مجهولة النسب، وهي ابنة لعائلتها بالتبني فقط.. وعبثا، حاول إقناعهم بأنه لم يكن على علم بذلك، إذ لم يصدقوه. وتشاجروا معه وألقوا اللوم عليه، وكادوا يجبرونه على تعويضهم عن الخسائر المادية التي لحقتهم جراء ذلك، لولا تدخل إمام المنطقة وبعض أهل الخير، الذين هدؤوا الأوضاع بينهم. ومن يومها، أقسم على ألا يسعى في أي زيجة أبدا، واكتفى بالمشي في الجنازات فقط.. على الأقل، الأجر فيها مضمون، والشر معدوم.

“جيل ما يحمرش الوجه”

في زمن مضى، كانت أغلبية الزيجات تتم بهذا الشكل، أي عن طريق ترشيحات الأهل والجيران والمعارف. وكان الناس يتسابقون في السعي لتزويج الغير. فالمؤسسات الزوجية، حينها، كانت تبنى على أرضيات صلبة، ولا تتحطم لأهون وأتفه سبب. فالأزواج وقتها كانوا على قدر كبير من الصبر وتحمل المسؤولية، عكس الجيل الحالي، الذي يتخوف الكثيرون من السعي في تزويجه، لأنه جيل “ما يحمرش الوجه.” ويهدم زواجه لأدنى سبب ثم يلقي باللائمة على من سعى له فيه. فالسيدة مليكة، مثلا، لا تزال تذكر بامتعاض كيف أن بعض أقاربها مازالوا “يدعون عليها”، كلما صادفتهم مشاكل في زيجاتهم، لأنها هي من توسطت لهم فيها. وفي أحيان أخرى، يستدعونها لحل تلك الخلافات، قائلين: “دبري راسك.. انت اللي بليتينا بهاذ الزواج”.

بر عظيم بضوابط

إن اتباع الجنازة، كما يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية، بلقاسم. ز: “هو من سنن الهدى، التي حث الرسول- صلى الله عليه وسلم- عليها. لكن، من الخطإ التحذير من السعي في تزويج المسلمين. فهو برّ كبير وثوابه عظيم. فهو من الأمور متعدية النفع. فما ينشأ من هذا الزواج من ذرية ومصالح ومنافع، إلا كان للساعي فيه مثل أجورهم. ولقد حث النبي- صلى الله عليه وسلم- على ذلك، بل وكان يسعى بنفسه الكريمة والشريفة في تزويج أصحابه، مثل جليبيب، وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، وغيرهم.. فبناء بيت مسلم، هو من أعظم البرّ. لكن، بالضوابط الصحيحة، ومنها أن تدل الرجل على الزوجة المكافئة، وتدل المرأة على الزوج المماثل.”

مقالات ذات صلة