الشروق العربي
عند الشيب يظهر العيب

انتشار الطلاق الرمادي بين الجزائريين

ليلى حفيظ
  • 3530
  • 0

لقد تحدثنا في مواضيع سابقة عن عدة أنواع من الطلاق، على اختلاف معايير تصنيفها. لكننا، لأول مرة، سنتحدث عن طلاق مصنف على اعتبار معيار اللون. إنه الطلاق الرمادي. هذا المصطلح الذي راج الحديث عنه عبر القنوات الفضائية والسوشيل ميديا في الآونة الأخيرة، رغم أنه ليس مصطلحا جديدا. وهو يشير باختصار للطلاق الذي يحدث في الزيجات طويلة الأمد، بين الأزواج الذين تتعدى سنهم خمسين عاما، بعد أن خالط الشيب سواد شعرهم فتحول لونه إلى الرمادي.

لقد تم توثيق الطلاق الرمادي، الذي يسمى أحيانا بالطلاق الفضي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في وقت مبكر من ثمانينيات القرن العشرين. لكن صياغته كانت في عام 2004، عندما قامت الجمعية الأمريكية للمتقاعدين بتصنيفه. ويعرف بأنه طلاق يحدث بعد سن الخمسين عاما في زيجات طويلة الأمد. وسمي بالرمادي نسبة إلى لون شعر هؤلاء الأزواج، الذي غالبا ما يميل إلى الرمادي، بعدما خالطه الشيب. ويقال إن أسبابه غالبا ما تكون تراكمية كالخيانة الزوجية، التعرض للأذى والعنف اللفظي والمادي والمعنوي على مدار أعوام، الروتين والملل والطلاق العاطفي، متلازمة العش الفارغ، التي تحدثنا عنها في موضوع سابق. فبعد زواج الأبناء أو مغادرتهم البيت للعمل والدراسة، قد يشعر الزوجان أو أحدهما بالفراغ والوحدة، خاصة في ظل وجود فجوة بينهما على صعيد التقارب والتواصل.

الطلاق الرمادي ينتشر بين الجزائريين

لقد لوحظ تزايد الطلاق الرمادي عبر العالم بما فيه العالم العربي، مع تقدم الأعوام. إذ تبين من تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الأمريكي عام 2021، أن المزيد من الأزواج الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما ينفصلون بعد سنوات، إن لم يكن عقودا من الزواج. كما أصدرت إدارة الإحصاء الأمريكية تقريرا لعام 2021، أظهر أن 34.9 بالمئة من حالات الطلاق السنوية شملت أزواجا تبلغ أعمارهم 55 عاما فأكثر. ويخطئ من يظن أن الطلاق الرمادي نادر الحدوث في مجتمعنا، على اعتبار أن كبار السن عندنا هم من جيل يقدر ويقدس فعلا معنى العشرة وسنيها الطويلة. فالمرشدة الأسرية دليلة حسين، رئيسة جمعية نور للمرأة والأسرة والطفل، تؤكد تنامي انتشار هذا النوع من الطلاق عندنا. وهذا استنادا كما تقول: “إلى بعض المحامين الذين نتعامل معهم، إذ لاحظوا أن نسبة هذا الطلاق بدأت في التزايد المستمر، وبشكل ملفت للاهتمام. وشدد أحد هؤلاء المحامين على أن الاستقلالية المالية وتوفر السكن، وتشجيع الصديقات، بل وحتى بعض المستشارات الأسريات والمختصات النفسانيات، اللواتي يغرسن في عقول الزوجات فكرة أنه: “يمكنك الاستغناء عن زوجك مادمت لا تحتاجين إليه” للأسف، ساهم في انتشار هذا الطلاق. وهو الذي لاحظناه كذلك عبر خلايا الإصغاء في جمعيتنا. فخلال العامين 2019 و2020،لم نسجل ولا حالة طلاق رمادي. ولكن، ابتداء من 2021 بعد جائحة كورونا، بدأنا تسجيل بعض الحالات التي لا تتعدى الخمسة في الألف، أي بمعدل 0.5 بالمئة. لكن، في 2025، وصل عدد الحالات إلى 60 حالة طلاق رمادي، تتراوح أعمار أصحابها بين الـ 50 والـ 75 عاما، أي ما يعادل 6 بالمئة. والعدد مرشح للارتفاع”.

صدمات وصدامات

توضح الأستاذة دليلة حسين أنه، من خلال ممارستها للإرشاد الأسري لمدة طويلة، وبناء على تجاربها مع مختلف الفئات العمرية للأزواج من الجنسين، اتضح لها أن أسباب انتشار الطلاق الرمادي في مجتمعنا قد تختلف عن الدول الغربية، ومنها مثلا: “حدوث صدمة للزوجين أو أحدهما في فترة الخطوبة أو بعد الزواج. هذا النوع من الصدمات يترك شرخا في النفس ويزداد عمقا مع مرور السنين. كأن يكون أحد الزوجين مرتبطا عاطفيا بشخص آخر ويجبر من طرف الأهل أو تجبره الظروف ومتغيرات الحياة على الزواج بمن لا يهواه أو يستسيغه قلبه. فيضطر للعيش في كآبة لا تنقطع إلى أن يقرر أحد الطرفين أو كلاهما التخلص من تلك العلاقة السامة والمدمرة ولو متأخرا، إضافة إلى سيطرة أسرة الزوج على الزوجة وضغطهم عليها، ما يجعلها فاقدة لحريتها ويحولها أحيانا إلى خادمة عندهم. ومع مرور الوقت وتغير الأدوار، تصبح تلك الزوجة في موضع قوة وتغدو العلاقة صدامية، وقد تنتهي بالطلاق، انعدام التواصل العاطفي بين الزوجين، الخيانة العاطفية ومقارنة الرجل لزوجته بفتيات شابات ونفوره منها. ويمكن أن يكون الطلاق الرمادي تتويجا لطلاق عاطفي صامت استمر لعقود. ويمكن أن يكلل ذلك بخلع رمادي.”

الحل يبدأ من الإدراك

تؤكد المختصة في قضايا الأسرة والمرأة، دليلة حسين، أن: “الطلاق الرمادي ليس نهاية حتمية، بل نتيجة تراكمات يمكن التعامل معها إذا وجد الوعي والاستعداد. والحل، يبدأ من إدراك أن التغير طبيعي. وبأن العلاقة تحتاج لرعاية مستمرة حتى في المراحل المتقدمة من العمر.”

مقالات ذات صلة