الرأي

انتصار الأسرة الجزائرية على تنظيم النسل

حبيب راشدين
  • 8490
  • 13

التقرير السنوي حول السكان الصادر يوم الاثنين عن الديوان الوطني للإحصاء لم يفصح عن تغيير كبير في النمو السكاني قياسا مع آخر تقريرين لسنتي 2013 و2014 مع استقرار لافت في أهم مفردات النمو الديموغرافي، من جهة نسبة الولادة، وتطور هادئ لحصة المسنين لأكثر من ستين سنة، مع شريحة الأعمار من 15 إلى 59 التي تشكل خزان القوى العاملة وفق المعايير الدولية، أبرز ما فيه ثبات معدل المسنين عند 8.7 في المائة.

التقرير يؤكد أن الشعب الجزائري ما يزال فتيا ولودا، بشريحة من المسنين لا تزيد عن 3480000 فوق الستين من بينهم فقط 511000 معمر فوق الـ80، مع أن معدل الأمل في الحياة ظل ثابتا عند مستوى 77,1 في المائة، أفضل حتى من نظيره عند الدول الأوروبية (76,6 في المائة).

نحن أمام لوح سكاني مدهش: مجتمع فتيّ حافظ على نسبة محترمة من المواليد الجدد (أكثر من مليون مولود جديد مقارنة مع 800 ألف في فرنسا، أكثر الدول الأوربية خصوبة)  حتى بعد تسجيل تراجع في عدد الأسر الجديدة، عُوّض بتسجيل ارتفاع في نسبة الخصوبة بنسبة 3,1 في المائة، أرقام قد تقلق الحكومة حين تستشرف ما يترتب عن هذا النمو السكاني من واجب تدبّر مرافق التعليم لمليون تلميذ جديد بعد خمس سنوات، ولمثله من مناصب الشغل بعد عشرين سنة من الآن.

ومن الواضح أن السياسات المتبعة حتى الآن لقلب الهرم السكاني، وتعطيل النمو الطبيعي بالترويج لوسائل تحديد النسل التقليدية والخاصة قد فشلت أمام عناد الأسرة الجزائرية المسلمة، كما لم يؤثر تحسين الأحوال المعيشية على نسبة الولادة خلافا للرأي السائد عند دعاة تحديد النسل بالرفاهية، ومع كل ما قيل عن رداءة المنظومة الصحية، فإن معدل الأمل في الحياة هو في تصاعدٍ يقترب من أفضل المعدلات في دول أمريكا الشمالية وأوقيانية، ليضيف أعباء أكبر مستقبلا، خاصة من جهة التكفل الواجب بعدد أكبر ولمدة أطول بالمتقاعدين.

التحليل المتفائل لهذا النمو السكاني المتوازن، والذي منح الريادة السكانية للجزائر في المغرب العربي بزيادة سنوية تفوق المليون مولود جديد، يرى في النمو منحة حقيقية لبلد شاسع غني بموارده المادية، لا يحتاج سوى لإدارة راشدة تستثمر بذكاء في هذه الطاقة البشرية، التي فقدتها معظم الدول النامية في الغرب والشرق بلا رجعة، ولا تنفعها، لا مواردها المالية الهائلة، ولا تفوّقها التكنولوجي في استعادة خصوبة ضائعة عند الذكور والإناث، جعلت منها أمما يتوقف استقرار سكانها اليوم على نكاح الإستبعاض الحديث عبر بوابة الهجرة، ما لم يقض عليه نكاح المثليين العادم للأرحام.

ولمن فاته تفسير الظاهرة بأدوات عقلانية، في بلد أنفق الكثير على تحديد غربي للنسل، وإعدام الأرحام بالتوليد القيصري، ومغالبة الطبيعة بتأخير سنّ الزاوج، وتيسير فرص الطلاق بتيسير الخلع، فإن الأجوبة المنطقية يبحث عنها حتما في هذا الصمود الرائع لمنظومة الأسرة الجزائرية المسلمة، التي قاومت الاحتلال بعطاء الأرحام، ويجتهد فيها جيل الاستقلال لتدارك مخلفات قرن وثلث القرن اشتغل فيها المحتلّ على استدامة الاستعمار باستنساخ ما صنع بالهنود الحمر والأفارقة السود. 

مقالات ذات صلة