انتفاضة تنقذ العرب من أنفسهم
هل نحن على موعد مع انتفاضة فلسطينية ثالثة تقلّب وجهة مسار الأحداث في المشرق العربي المنكوب؟ أم هي محض ردود أفعال محدودة في الزمان والمكان على استفزازات صهيونية مفتوحة في الزمن والمكان، فيما تتطلع الشعوب العربية والإسلامية ـ منذ بداية أحداث الربيع العربي المفلس ـ إلى ربيع فلسطيني يحرك المياه الآسنة، ويعري فلول المتاجرين بالقضية من العرب والعجم، وقد قسموا دينهم شيعا؟
لأول مرة سوف تكون الشعوب العربية والإسلامية هي من يحتاج إلى نصرة من “الشقيق الفلسطيني”، الذي بيده اليوم مفاتيح إصلاح بوصلة العرب المختلّة، وإعادة توجيهها نحو قضيتهم الأولى. وقد تهيّأت للفلسطينيين اليوم ظروفٌ غير مسبوقة للدخول في انتفاضة شاملة ضد الاحتلال الصهيوني أولا، كما ضد أدواته الفلسطينية والعربية، التي صنعتها اتفاقية أوسلو المشؤومة، ومعاهدتا كامب دافيد ووادي عربة، ومبادرة السلام العربية.
الدافع المحفز الأول لدخول الفلسطينيين في انتفاضة جديدة جاءهم “هبة” من العدو نفسه، وقد سلط عليهم في الشهور الثلاثة الأخيرة ترسانة من الاستفزازات المركّبة، استهدفت ابتداء المسجد الأقصى وأهل القدس، قبل أن تنتقل إلى بقية حواضر الضفة، حتى إن الصحافة العبرية لم تتردد في اتهام رئيس العصابة نتانياهو، ولم تخطئ في استشراف مقدمات حقيقية لانتفاضة ثالثة، كما تقول صحيفة “يديعوت أحرونوت” وقد طالب كاتبها ـ ناحوم بارينع ـ الصهاينة بوجوب تسمية ما يجري بـ”الانتفاضة الثالثة”.
الكاتب الصهيوني وقف ـ في لحظة صفاء ذهني ـ عند دوافع الانتفاضة، فلخصها في فقرة تدين بالجملة قادة الكيان، والسلطة، والمقاومة، والعرب، والمجموعة الدولية بالقول: “إن الانتفاضة الثالثة لا تتجسد بسبب غياب الأمل السياسي، بل بسبب غياب كل أمل”.. “لا أمل في الوصول إلى دولة.. تبدد الإيمان بالسلطة الفلسطينية وبمنافستها حماس.. لا أمل من العالم العربي المنشغل بسورية والعراق واليمن، ولا أمل من القوى العظمى الغربية”.
لأجل ذلك، لا يُفترض أن ينتظر الفلسطينيون الفرج من هذه العصابات، أو يُخدَعوا كما خدعوا من قبل حين وظفت الانتفاضة الأولى سنة 1987 لتمرير اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993، أو أن يخشوا مزيدا من الحصار والاستيطان كما حصل بعد الانتفاضة الثانية، فلم تعد قياداتهم قادرة على التسويق لمفاوضات عبثية كانت توفر لها الغطاء، ولم تعد حتى فصائل المقاومة قادرة على هدم جدار اليأس الذي هو أشد وطأة عليهم من جدار العزل العنصري.
وفي الجملة، لم يعد للفلسطينيين ما يخشون خسارته: لا أرض، ولا عرض، ولا بيت، ولا “شيكل” ولا “دولة خنثى مشكلة” مما يوعدون به منذ ثلث قرن، ابتكر خلاله الكيان قبل “داعش” شعار: “باقية وتتمدد” وقد تمدد الاستيطان مثل السرطان برعاية سامية من الرباعية الدولية، وخفارة نشطة من شرطة السلطة، وتدحرج محزن لمسار المقاومة في دروب المساومة على ريع إمارة على الحجارة، وانشغال القوى “الممانعة” بتحرير سورية من السوريين، والعراق من العراقيين، فيما انخرط نظيرهم “المعتل” في مسار تحرير اليمن من اليمنيين، ومصر من المصريين، ولولا لطف الله بهم لكانت نخبهم في “الضفتين” قد زجت بهم في مسار “تحرير فلسطين ـ كل فلسطين ـ من كل الفلسطينيين”.