انفتاح على الحقوق وجيل جديد يواكب العصرنة
ما كان متداولا في القديم، أن نساء القرى والمداشر لا تهمهن موضة الثياب والماكياج الحديث، ولا يفقهن فيها شيء، ثم إن اهتمامهن المفرط برعاية العائلة الكبيرة والخضوع التام لخدمة الزوج من الأولويات التي تملأ حياتهن الاجتماعية، بعيدا عن الاحتكاك بالثقافات المختلفة، بفعل عزلتهن، وجاء التلفاز بهوائياته المقعرة ليغير بعض هذه المعالم، لكن قدوم الانترنت بما فيها من وسائل عدة للتواصل الاجتماعي، وضع هذه الفئة من النساء أمام نافذة مكشوفة على درجة تطور نمط عيش النساء عبر العالم.
ها أنا امرأة عصرية
باقتحام الانترنت للمناطق الداخلية للوطن، وانسياب تفنية الجيل الثالث في أكثر المناطق عزلة، دخلت المرأة الريفية جيلا جديدا من الأناقة والعصرنة، إذ بات بإمكانها الاطلاع على كل ما هو جديد في عالم الملابس، الأحذية، الإكسسوارات والماكياج، وكل ما له علاقة بالموضة والأناقة الخارجية، بل وأصبح بإمكانها التسوق عبر الانترنت وشراء ما يحلو لها وما عاد هنالك فرق بهذا الخصوص بين نساء المدن الكبرى والقرى والمداشر، إذ أن اطلاعهن على آخر السلع والمنتجات أصبح متزامنا بفضل التكنولوجيات الحديثة، حتى العناية الجسدية بما في ذلك حصص المساج والاهتمام بالبشرة والرياضة، ورغم نقص الفضاءات المخصصة لها بهذه المناطق، فإن الانترنت لم تحرم المرأة الريفية من التمتع بجسم رشيق وصحي، إذ وبمجرد نقرات على الجهاز الالكتروني المتاح، صار بإمكان هذه الفئة من النساء، الاطلاع على طرق العناية بما في ذلك تقليد الحركات الرياضية، دونما الحاجة إلى صالونات التجميل الفخمة وقاعات الرياضة متطورة العتاد، وبات بإمكانك إيجاد نساء عصريات يواكبن نمط عيش نساء المدن حتى في أكثر القرى عزلة في الجزائر وهذا بفضل ما تفتحه لهن الانترنت من سبل على وتيرة تقدم العالم بأسره في شتى المجالات.
مرشد أسري في بيتي
من حسن الحظ أو من سوئه، أن المرأة الريفية حتى هذا العصر لاتزال تبدي الولاء التام للزوج وعائلته، وتعيش على أنها آلة تحركها أهواؤهم ومتطلباتهم، قد يبدو الأمر بعيدا كل البعد من أن تتدخل التكنولوجيا لتغيير الوضع، لكن الواقع يقول هذا، إذ أن سعيدة بنت إحدى مداشر ريف معسكر، ذات الثلاث والعشرين عاما، تركت دراستها الجامعية لتتزوج رجلا عانت قرابة العامين من مزاجيته وتجبّر أهله قبل أن ترشدها الانترنت لسبل الحياة السعيدة: “تمكنت من الاتصال بالانترنت عبر الهاتف، وقادني الملل نحو مجموعة نسائية تطرح فيها المشاكل الأسرية، وما إن تحدثت عن معاناتي وشقاء حياتي، انهالت علي النصائح والتوجيهات من نساء قديمات العهد بالزواج، وأخريات أخصائيات في المجال، أعطينني دروسا قيمة في الصبر والمعاملة الحسنة، والآن أعيش سعيدة بفضل هذا التواصل الإيجابي بعد أن أوشكت على الطلاق..”.
هل كل ما كان ينقصهن انترنت للإطلاع على حقوقهن؟
للأسف، فإن الكثير من النساء الريفيات لا يعرفن حقوقهن التي يكفلها القانون، هذا إن لم نقل الغالبية، وهذا كنتيجة للاحتكاك المحدود جدا، أو ربما لعدم حاجتهن للمطالبة بها عادة، لأنهن في مجتمع مصغر لازالت تحكمه مجموعة قوانين أسستها القيم المتوارثة، اما حنان وهي اليتيمة ابنة البيئة الريفية، وربة البيت الذي سهرت على رعايته من سنوات شبابها، وجدت نفسها فجأة على مشارف طلاق يسلب منها جميع حقوقها حتى الميراث الذي ورثته عن والديها، دون أن تعي ما يجب أن تتصرف به، لكن تواصلها عبر الانترنت مع نساء متزوجات وطلبها النصح كان المخرج أمامها، لاسترجاع حقوقها قانونيا وعبر المحاكم بفضل توجيهات إحدى المحاميات عبر النت: “ليس لي أخت ولا صديقة أستشيرها، ولا يسمح لي بالتنقل صوب المدينة، حيث المحاكم والاستشاريين في القانون، فلم يكن لي إلا أن نشرت قصتي بإحدى المجموعات، أين صادفت محامية، اتصلت بها عبر الخاص ونصحتني، وظلت توجهني..”، الفضل في مثل هذه الحالات قد لا يعود للانترنت لوحدها وإنما لأسلوب استعمالها، واستغلال ما تتيحه لنا من تسهيلات في الحياة.