انقلاب السحر على فرعون
ما حصل يوم 12/12 لم يحصل من قبل، رغم الشبه الحاصل في الظروف الثابتة منها والمتغيرة. سابقة جزائرية، التي كانت دوما سباقة في إنتاج التجارب وتسويقها.
قبل 31، سنة، أي ما يعادل تقريبا جيلا بأكمله، كانت انتفاضة 5 أكتوبر 88، التي قيل عنها ما قيل: مفتعَلة خارجية ومُعَدٌّ لها داخليا، ونتيجة حتمية لمآل جيل انتهى عهده في الحكم وجيل جديد يطمح إلى التغيير بمقاييس نظره. انتفاضة أوصلت إلى تعددية سرعان ما اتضح أن السلطة الفعلية ممثلة في قيادات الجيش الذين كانوا من سرايا الحكم الفرنسي وضباط فرنسا، كانت تريد تغييرا على مقاس فرنسا: تعددية بما يسمح لـ”الأقلية” الممثلة في النخب العلمانية اليسارية المعادية للتيار العربي والإسلامي، من أن تصبح قوة فاعلة ومؤطِّرة لـ”حَراك” أكتوبر 88. لقد كان الحزب الواحد، يلجم كل انفتاح على هذه “الحساسيات” كما سُمِّيت على استحياء بعد الانفتاح قبل أن تُسمى الأسماء بمسمياتها بناءً على المادة 40 من التعديل الدستوري لسنة 89 التي جعلت نفس المسمى في الدستور الفرنسي منذ أكثر من قرن، يطبع التعددية الجزائرية عبر “جمعيات ذات طابع سياسي”.
ما حدث بعد خروج المارد الشعبي من قمقم الصندوق، أفزع فرنسا بالأساس وعناوينها الفرعية في الجزائر من خلال النخب والأقليات الإيديولوجية الساحقة، فكان تدخل الجيش بقيادات “سلولة” جيش الاحتلال الفرنسي، الذي عرفنا كيف تمكَّن هؤلاء من قبل ومن بعد في إبعاد ضباط جيش التحرير تمهيدا للاستيلاء التام على هذه المؤسسة التي حولت فيما بعد انقلاب 91 على الإرادة الشعبية، إلى قيادة أقلية لجيش شعبي وطني: أقلية إيديولوجية موالية لفرنسا وهي من تحكم من خلف الستار، وهي من تعيِّن الرؤساء وتُجري الانتخابات الصورية وتزوِّر وتخطِّط وتُملي باسم شعب هو المغيَّب الأكبر.
بعد 31 سنة، تتغير المعادلة رأسا على عقب، ذلك أن القيادات الوطنية المجاهدة في المؤسسة العسكرية، عرفت كيف تطهِّر هذا الجيش أخيرا من ضباط فرنسا ودفعة لاكوست، بعد ما فشلت سابقا كل محاولات في هذا الشأن، بل حدث العكس أن أفرِغت المؤسسة من قيادتها المجاهدة الوطنية.
منذ 2014، بدأ الجيش الوطني الشعبي يتطهَّر داخليا بعد جلاء أواخر ضباط فرنسا الذين رحلوا إما قضاءً وقدرا أو تقاعدا، خاصة بعد عملية تشبيب الجيش الوطني الشعبي. هذا ما اعترف به سعيد سعدي قبل نحو 7 أشهر عندما صرح أنهم (أقليته الإيديولوجية) قد “فقدوا الجيش منذ 2014″، فيما كان فضيل بومالة، بالتزامن مع هذا التصريح، يصرِّح بأنّ عليهم (الأقلية دائما)، “أن يسترجعوا الجيش” (من الشعب الذي احتضن جيشَه كما احتضن الجيشُ شعبه)، ما يعني الدفع باتجاه انقلاب وعودة العصابة من جديد.
نتائج الانتخابات، التي لم يتوقعها الكثير، كانت متوقعة، بل أننا توقعنا حتى المراتب الثلاثة الأولى بنفس الترتيب، لأننا كنا نعرف أعماق الشعب الجزائري الحقيقي كيف يفكر وإلى أي ريح ينتمي، فيما كانت نخب الأقلية تقيس الشعب على مقاسها: هي الشعب والبقية “غاشي”. غير أن الصندوق، ولأوَّل مرة تحت رعاية سلطة مستقلة عن أجهزة الدولة، وبشهادة الجميع، يخرج نقيّا لا لغو فيه ولا تأثيم.. أصوات الشعب مصانة، لا تلاعب فيها ولا تزوير، وهذا ما أزعج بعض دعاة المقاطعة من الأقلية الإيديولوجية الساحقة، التي حاولت للمرة الثانية أن توقف المسار الانتخابي قبل أن ينطلق، كما أوقفته في 91 بعد أن انطلق، فخاب الظن وانقلب السحرُ على فرعون.