الرأي

انهش وأهرب!

جمال لعلامي
  • 3121
  • 0

وزير المالية الأسبق، عبد الرحمان بن خالفة، يقول والعهدة على الراوي، أن المستوردين غير ملزمين بالإجابة عن سؤال “من أين لك هذا؟” أمام البنوك، تبعا لإجراءات التوطين الجديدة الخاصة بعمليات الاستيراد، بينما سيبقى بائع السيارة والشقة وقطعة الأرض و”الجوارب” مرغم على التصريح بما يُجيب عن “من أين لك هذا” عند عملية الإيداع!

هكذا هو “التوطين”، يرفع اليد على المستوردين والمستثمرين وكبار التجار والصناعيين وأصحاب “الشكارة” ولا يسألهم “من أين لك هذا”، لكنه يوطـّن المواطن البسيط بالتوطين المذكر السالم، وقد يرفض البنك استلام بضعة ملايين متأتية من بيع سيارة ملعونة في زمن التهاب أسعار المركبات، ولا يُستبعد كذلك، إيداع شكوى لدى مصالح الرقابة بما يتهدّد المعني بالسجن أو المقاضاة!
إسقاط سؤال من “ّأين لك هذا” هو قرار “حكيم” من البنوك، لأن طرحه على رجال المال والأعمال، سيحرّضهم على الطراباندو وبورصة “السكوار” والسوق الموازية، خاصة في ظلّ إقرار “ضريبة الثورة” التي ستدفع هي الأخرى الأثرياء والمليونيرات والمليارديرات، إلى الهروب من كلّ ما رسمي ومرسّم!
التعامل بين هؤلاء وأولئك، بمنطق التمييز والمفاضلة، على مستوى البنوك، لا يُمكنه سوى أن يُطيل عُمر الأزمة المالية، حتى وإن تعافت أسعار البترول، ولعلّ التشدّد تارة في الإجراءات الإدارية، والتراخي أو الاستسهال تارة أخرى، يؤشـّر إلى وجود ارتباك في طريقة تسيير الأزمة، وعدم القدرة على تعجيل الحلول الملائمة لها ولا ابتكار مخارج النجدة!
مصيبة تداعيات الأزمة، أنها بدأت إلى أن يثبت العكس، تفرّق بين “الضحايا” والمنتفعين، وتبقى حكاية استيراد -استيراد أهم نموذج لما يلوّن هذه الأيام، ومنذ نحو 4 سنوات، تفاصيل محاولات حلحلة الأزمة المنجرّة عن تهاوي سعر النفط، وما أنتجته من شبه إفلاس “شحيحة” الجزائريين!
المتابعات القضائية التي أقرّتها إدارة الضرائب، ومطاردة الأموال “الوسخة” وملاحقة “أثرياء الأزمة”، وفرض التوطين البنكي على كلّ استيراد، وإجبار المستوردين على دفع 120 بالمئة من قيمة السلعة المستوردة، وغيرها من التدابير الاقتصادية “الحربية”، قد تكون مجرّد صرخة في وادي الحراش، ما لم تكن مرفوقة بإرادة حقيقية في العثور على بدائل لريع البترول!
من الطبيعي أن تتخلى البنوك عن سؤال “من أين لك هذا”، بعدما تنازلت الإدارة عن الزام المنتخبين والمسؤولين بالتصريح بممتلكاتهم قبل استلام وظائفهم وبعد مغادرتها، وهذه وحدها تكفي لتكرّس عقلية “انهش وأهرب”، خاصة إذا تنامت الظاهرة وتحوّلت إلى عدوى، ففعلا إذا عمّت خفّت!

مقالات ذات صلة