باب المغاربة.. الرمز والواقع
أي رابط معنوي ومادي بين المكان والناس في الخاص والعام أكبر حجما وأنفذ فاعلية من باب المغاربة.. ؟؟ باب يفتح على تاريخ الامة ورمز امجادها وروحها النوراني _ بيت المقدس _ حيث المسجد الاقصى الشريف وقبة الصخرة الشريفة والحرم القدسي الشريف.. هنا سكب المسلمون دمهم ليوقعوا على وثيقة التملك الالهي باغلى ما لديهم .. هنا وبجوار حائط البراق حيث ترجل النبي محمد عليه الصلاة والسلام نحو الصخرة ينطلق منها الى السماوات العلى حيث لا مكان في الارض يليق للصعود الى السماء سوى القدس كما تغنى بذلك الامام البشير الابراهيمي.. هنا بجوار حائط البراق كافأ السلطان المنتصر صلاح الدين الايوبي المجاهدين المغاربة بقيادة الغوث شعيب سي بومدين بان اقطع له وقفا يكون للمغاربة خاصة الحجاج منهم والساكنين.
وأقام سي بومدين للمجاهدين معه حيا سكنيا اطلق اهل المدينة المباركة عليه حارة المغاربة.. وتوسع سي بومدين فاشتر21 هكتارا من ارض القدس في منطقة ”عين كارم” واوقفها للحجاج المغاربة.
منذ ذلك الحين اصبح للجزائريين في فلسطين مسكنا وموئلا في اقدس مكان فيها بل في اقدس مكان على الارض .. لهم مكان خاص لهم لحجاجهم والمجاورين عند مربط البراق .. أي قداسة هذه تبعث في الروح الانعتاق من اوهاق الدنيا وفتن الحياة وأي قداسة هذه التي تحمل العاشقين مسؤولية لها طقوس تزداد اتقادا كلما مر عليه الزمن..
ادرك الجزائريون ان القدس المبارك مستهدف دوما وان المباركة حوله تعني الرباط الدائم حوله وان الدم الغالي يهون سفكه على جنبات القدس ودفاعا عن اسوار بيت المقدس.. ومن هنا تولدت المشاعر الخاصة لدى الجزائريين عبر الاجيال نحو القدس والمسجد الاقصى ولم تغبش سنوات الاستعمار على ناظريهم وكانت فلسطين دوما مهوى افئدتهم وباب السماء الذي تعلقت به قلوبهم.. ولقد رأوا في رزئهم به اشد ايلاما من وقع ظلم الاستعمار وقهره .. وكلما تناوشته السهام هاجت ارواحهم وفاضت مروءتهم لتصهل اياديهم المدماة وهي في قيود الاستعمار اللئيم وتواعدوا وهم يقطعون جذور المستعمرين من ارضهم ان الموعد القدس الشريف وان استقلال الجزائر لا يكتمل الا بتحرير فلسطين.
ومضت السنون تطوي القرون وقلوب الجزائريين معقودة على حب القدس وعشق المسجد الاقصى .
نكبت فلسطين وتخلى عنها العرب والمسلمون وتركوا لعصابات الصهاينة المدججة بالسلاح وقوة بريطانيا الغاشمة الفرصة ان يحتلوا معظم ارض فلسطين ويطردوا اهلها منها.. وفيما احتلوا كان عين كارم الوقف الجزائري والذي بنى عليه الصهاينة “الهستدروت” مبنى نقابة العمال.. كان الجزائريون منشغلين بثورتهم المباركة الا ان رهطا كريما من قيادات الجزائر انبرى للمطالبة بالوقف الجزائري واستطاع بعد مكاتبات ومتابعات ان ينتزع اقرارا اسرائيليا بذلك.
وبعد نكبة 1967 سقط القدس اسيرا بين الصهاينة وكان اول عمل تقوم به سلطات الاحتلال ان سوت بالارض حارة المغاربة وشردت اهلها فاختار الجزائريون والمغاربة معهم السكنى في مخيمات القدس، سيما مخيم شعفاط.. وحول الاسرائيليون الحي السكني الى ساحة يجمعون فيها شذاذ الافاق في طقوس استفزازية وحولوا حائط البراق الذي طالما دافع عنه الجزائريون الى حائط المبكى في محاولة لتغيير معالم التاريخ الاسلامي في المدينة المباركة..
باب المغاربة.. باب للجزائر تفتحه باقتدار نحو مكانتها العزيزة في قلوب الامة وباب للجزائر تحميه من الغزاة الاستعماريين الصليبيين منهم والصهاينة سواء.. ولئن كانت الجزائر اليوم بعيدة جغرافيا عن حدود فلسطين فإن هذا مدعاة لاضرام الشوق واشتعال العشق.. الجزائر اليوم كما كانت موصولة بالقدس ولها هناك امتداد ونصيب ليس معنويا فقط بل ماديا قد لايكون لسواها من بلاد المسلمين والعرب.
باب المغاربة.. يئن من وطأة الاقدام الهمجية ولكنه منصوب في القلوب المشرعة نحو فلسطين ولن تستطيع جرافات الاحتلال الصهيوني ازاحته من قلوب الجزائريين وليس عنه بديلا وليس له ثمنا.
أي رابط هذا ازلي ابدي؟ هذه هي علاقات الحضارة والدم والتاريخ والعقيدة جبلها الزمن بين اهل فلسطين المرابطين واخوانهم الجزائريين المجاهدين وحب الوصل المقدس المتين باب المغاربة..
كل شيء يتساقط وكل شيء يتبخر ولا يبقى الا حقيقة واحدة ان القدس لاهلها من عرب ومسلمين فهيهات منا النسيان او الذلة.. هيهات منا الذلة وان غدا لناظره قريب.