بالأرقام والأدلة.. هذه خروقات البنك الوهمي “بايسيرا”
كشفت جلسة محاكمة أفراد شبكة “بنك بايسيرا” العابرة للحدود، عن تحويلات مالية ضخمة إلى الخارج، تقوم بها شركة خاصة “OGS” متخصصة في نشاط وإنشاء واستغلال مراكز النداء المسيرة، ليتبين فيما بعد أن هذه الأخيرة تعتبر وكيلا مشبوها وغير قانوني للبنك الليتواني الوهمي “بايسيرا” في الجزائر، إذ أن واقعه يخفي فرعا بنكيا مكتمل المعالم لدولة أجنبية بمعاملات مالية غير قانونية تم إنشاؤه خفية بدون ترخيص من السلطات الجزائرية، بل الأخطر من ذلك هو أن أفراد الشبكة ضربت عرض الحائط تعليمات وجهتها “خلية معالجة الاستعلام المالي المكلفة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، التابعة لوزارة المالية.
وقد انطلقت الثلاثاء 16 سبتمبر الجاري على مستوى الفرع الثاني لدى محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، محاكمة المتهمين في ملف شبكة “بنك بايسيرا” العابرة للحدود، المتابع فيه 12 متهما بوقائع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج وعدم الحصول على التراخيص المشترطة من السلطات العمومية، وتصدير واستيراد بوسائل الدفع خارج إطار الوسطاء المعتمدين والقنوات البنكية المعتمدة، جنحة تبييض الأموال والعائدات الإجرامية على سبيل الاعتياد وباستعمال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني في إطار جماعة إجرامية عابرة للحدود الوطنية بغرض تمويه المصدر غير المشروع للأموال، التملص الضريبي باللجوء لأعمال تدليسية واستعمال فواتير وهمية مزورة إلى جانب إنشاء بالجزائر وممارسة نشاط فرع لمؤسسة مالية أجنبية غير مقيمة بالجزائر بدون ترخيص أو اعتماد قانوني.
وبعد أن قام القاضي بالمناداة على المتهمين والشهود والأطراف المدنية المتأسسة في ملف الحال، تطرق إلى حيثيات الملف بالتفاصيل من خلال استجواب المتهم الرئيسي وشريكه.
ويتعلق الأمر بكل من “م. منير” والمتهم “س. كريم”، حيث واجههما بالتحويلات المالية التي تمت خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2023 والتي تجاوزت 35 مليار سنتيم، وهو المبلغ الذي وصفه القاضي بـ”الضخم”.
وتبين من خلال جلسة المحاكمة أن عمليات التحويلات المالية تمت عن طريق شركة “OGS” المتخصصة في نشاط وإنشاء واستغلال مراكز النداء المسيرة، حيث تحصلت على ترخيص من قبل سلطة ضبط البريد والمواصلات الإلكترونية لتقديم خدمات للزبائن عن طريق شبكة الأنترنيت من خلال استقبال الرد على المكالمات الهاتفية عن بعد أو إجراء مكالمات لصالح عميل واحد أو أكثر، غير أن التحقيقات المعمقة لمصالح الأمن بينت أنه إضافة لهذا النشاط، فإن الشركة تمارس نشاطات أخرى غير مشروعة، إذ تعتبر وكيلا للبنك الليتواني “بايسيرا” في الجزائر بدون رخصة أو اعتماد قانوني باستعمال الموقع الإلكتروني لبنك “بايسيرا” ليتضح فيما بعد أنه عبارة عن محفظة إلكترونية يقدم مجموعة من الخدمات في مجال الدفع الإلكتروني في أكثر من 70 دولة حول العالم من بينها الجزائر.
كما تبين من خلال استجواب هيئة القطب الاقتصادي والمالي للمتهمين عن اتخاذ أفراد الشبكة المنظمة العابرة للحدود من مركز اتصال واجهة تغطي نشاط فرع البنك الإلكتروني الليتواني “بايسيرا” غير المعتمد في الجزائر، حيث أنه واقعه يخفي فرعا بنكيا مكتمل المعالم لدولة أجنبية بمعاملات مالية غير قانونية تم إنشاؤه خفية بدون ترخيص من السلطات الجزائرية.
والأكثر من ذلك، فإن أفراد الشبكة، من خلال هذا الفرع البنكي الوهمي الذي ينشط تحت غطاء شركة OG SOLUTION، يقومون بتحويل رؤوس الأموال من وإلى الخارج وكذا تبييض العائدات الإجرامية، بالإضافة إلى اللجوء لأعمال غير شرعية واستعمال فواتير وهمية مزورة، وبعد مرور سنوات بدأ نشاط المؤسسة يأخذ شكلا جديدا، حيث خرج عن المسار القانوني المصرح به سابقا، وهنا تم توقيع عقد غير قانوني مع البنك الإلكتروني “بايسيرا” غير المرخص في الجزائر، حيث تحول النشاط إلى القيام بمعاملات مالية مخولة حصرا للمؤسسات البنكية.
تحويلات مالية مشبوهة وتلاعب في الاتفاقيات
القاضي يستجوب المتهم الرئيسي في ملف الحال “م. منير”
القاضي: أنت محال على محاكمة الحال عن جنح مخالفة التشريع والتنظيم خاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج وعدم الحصول على التراخيص المشترطة من السلطات العمومية، وتصدير واستيراد بوسائل الدفع خارج إطار الوسطاء المعتمدين والقنوات البنكية المعتمدة، جنحة تبييض الأموال والعائدات الإجرامية على سبيل الاعتياد وباستعمال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني في إطار جماعة إجرامية عابرة للحدود الوطنية بغرض تمويه المصدر غير المشروع للأموال، التملص الضريبي باللجوء لأعمال تدليسية واستعمال فواتير وهمية مزورة إلى جانب إنشاء بالجزائر وممارسة نشاط فرع لمؤسسة مالية أجنبية غير مقيمة بالجزائر بدون ترخيص أو اعتماد قانوني هل تنكر أم تعترف؟
المتهم: أنكر جميع التهم الموجهة إلي سيدي الرئيس.
القاضي: ماذا تقول بخصوص وقائع شركة ” “OGS”ما هو مركزك في الشركة وما هو نوع نشاطها وما هي علاقتها بـ”بايسيرا”؟
المتهم: سيدي الرئيس عملت لعدة سنوات في مركز الاتصالات ثم قررت إنشاء شركة خاصة باللجوء إلى “أونساج”، وفعلا في سنة 2017 تحصلت على قرض وأسست شركة “OGS” المتخصصة في نشاط إنشاء واستغلال مراكز النداء رفقة شريكي “س. كريم”، ونشاط الشركة يتمثل في تلقي وإجراء المكالمات الهاتفية لفائدة الشركات الأجنبية والوطنية المتعاقد معها والتواصل مع زبائنها وتوفير مختلف الخدمات التي يطلبونها وذلك حسب طبيعة النشاط وقطاع اختصاص الشركة الزبونة.
وتابع المتهم تصريحاته “لكن في البداية عانيت من البيروقراطية والمشاكل، إلى غاية أواخر سنة 2019، حيث اتصلت بنا شركة “بايسيرا” للتعامل معها وكانت بداية تعاملاتنا مع هذه الأخيرة خلال شهر أفريل 2020 وإدارة البنك الليتواني هي التي عرضت علينا العمل بعد اطلاعها على المعلومات الخاصة بشركتنا ونشاطها، وهذا عبر الرابط الإلكتروني الخاص بالشركة، ثم تم ربط الاتصال به عن طريق البريد الإلكتروني.
القاضي: لكن الشركة عند تأسيسها كانت على أساس مركز الاتصال، ما هو نشاطها؟
المتهم: نعم مركز الاتصال وكان العمل المطلوب منا من طرف “بايسيرا” جلب الأشخاص وتجهيزهم بحواسيب للعمل عبر شبكة الإنترنيت مع إدارة البنك الأجنبي، وكنا نتحصل على أموال من هذا الأخير نظير الخدمات التي نوفرها عن طريق شركتي لفائدة زبائن البنك الذين يحوزون على حسابات بنكية، وهذه الخدمات موزعة على 3 مصالح وهي مصلحة مراقبة الوثائق والمكلفة بمراقبة مختلف الوثائق الخاصة بزبائن البنك سواء جزائريين أو أجانب، للتأكد من صحتها، لاسيما الوثائق الخاصة بالزبائن الراغبين في فتح حسابات بنكية ببنك “بايسيرا”.
أما المصلحة الثانية، يقول المتهم، فتتمثل في “مصلحة دعم العملاء وتتكفل بجميع الانشغالات التي يطرحها زبائن بنك بايسيرا، سواء الجزائريين أو الأجانب منهم، وكذا إعداد أي وثيقة يطلبها الزبون تتعلق بحسابه البنكي، على غرار شهادة كشف الرصيد البنكي وإرسالها للزبون بعد التأشير عليها بواسطة الختم الخاص بالبنك الليتواني الموجود على مستوى الشركة.
وتابع المتهم “أما المصلحة الثالثة فهي تتمثل في مصلحة مكافحة تبييض الأموال، ومهامها تتمثل في التأكد من شرعية عمليات التحويل القائم بشأنها شبهات وكذا التحري حول صحة الوثائق المبررة لعملية التحويل على شاكلة العقود التوثيقية، فواتير، عقود شراء عقارات في الخارج وغير ذلك”.
القاضي: هل تحصلت على رخصة من سلطة الضبط؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس.
القاضي: هل قمت باتفاقية؟
المتهم: أكيد سيدي الرئيس.
القاضي: هناك اتفاقية أمضيت عليها أنت وهي اتفاقية تمت عن بعد؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس هناك اتفاقية عن بعد.
القاضي: من أمضى عليها؟
المتهم: أنا وشريكي “س. كريم.”
القاضي: العقد الثاني أنت من أمضيت عليه؟ متى؟
المتهم: نعم، سيدي الرئيس في سنة 2022.
القاضي يقاطعه، قائلا “العقد تم إمضاؤه في سنة 2022 لكن التحويلات المالية بدأت في سنة 2019؟، ما هو موضوع العقد؟
المتهم: تقديم الخدمات بتطبيق “بايسيرا”.
القاضي : من قام بتجهيز الشركة؟
المتهم: في البداية كان على عاتقنا ثم أصبح على عاتق “بايسيرا”.
القاضي: أنت صرحت بأنكم استحدثتم 3 مصالح لمراقبة التحويلات وفي حالة تجاوزها 1500 أورو تقومون بالاتصال مباشرة ببنك “بايسيرا” لإتمام ذلك وضّح لنا الأمر؟
المتهم: سيدي الرئيس من بين الخدمات التي توفرها شركتنا لفائدة “بايسيرا” إجراء محادثات مرئية مع زبائن البنك في الحالات التي يطلب فيها الزبون الزيادة في الحد الأقصى المحدد لعمليات التحويل المقدرة بـ1.500 أورو في الشهر ورفع المبلغ إلى حدود 7.000 أورو في الشهر، حيث يتم طرح بعض الاستفسارات على الزبون، ليتم الموافقة على الطلب وإعلام البنك بذلك في حالة كانت التبريرات المقدمة من طرف الزبون لرفع قيمة التحويلات الشهرية مقنعة.
القاضي: يعني أنتم همزة وصل؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس.
القاضي: لكن 52 موظفا في الشركة كلهم أجمعوا أنهم أجروا مقابلة عن بعد مع ممثل المدير المكلف بالتوظيف في “بايسيرا”، فعندما تقول إن الشركة “همزة وصل” يعني أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تقوم بتوظيف أي عامل إلا بموافقة “بايسيرا”، الأبعد من ذلك حتى التجهيزات وكاميرات المراقبة يتم متابعتها من مقر البنك بـ”ليتوانيا”.. أي همزة وصل تتحدث عنها؟
المتهم: سيدي الرئيس نحن مجرد مستخدمين فقط.. جميع المعطيات والمعلومات كلها ليست ملكا لنا بل هي ملك لبنك “بايسيرا”، وحتى الكاميرات فهي تستعمل لمراقبة حركة الخروج والدخول.
القاضي: رئيس مكافحة تبييض الأموال وهو شاهد في قضية الحال، قال إن شركة “OGS” عبارة عن وكيل لبنك “بايسيرا”، ولا يمكن تحويل الأموال إلى الخارج إلا بموافقة شركة “OGS”.
المتهم: هذا غير صحيح أصلا أقوال الشاهد سيدي الرئيس متناقضة كثيرا، مقارنة مع تصريحات بقية موظفي الشركة.
القاضي: وماذا عن التحويلات العديدة التي تتم من بنك “بايسيرا” إلى شركة “OGS” عن طريق حساب مفتوح ببنك “BNP PARISBAS” ما هو المبلغ الإجمالي المحوّل؟
المتهم: هناك تحويلات 24 ألف أورو..35 ألف أورو و37 ألف أورو..لكن لا أتذكر المبلغ الإجمالي.
القاضي: أنا أقول لك المبلغ الإجمالي هو مليون و950 ألف أرور أي ما يعادل 20 مليار سنتيم.
المتهم: هذا المبلغ مبالغ فيه جدا سيدي الرئيس وأنا لم أسمع به إلا عند قاضي التحقيق.
القاضي: كم هو عدد التحويلات التي تمت من شركة “بايسيرا” إلى حساب شركة “OGS”؟
المتهم: لا أتذكر سيدي الرئيس.
القاضي: التحويلات المالية قدرت بـ1.5 مليون أورو أي ما يعادل 35 مليار سنتيم في الفترة الممتدة بين 19 سبتمبر 2019 إلى غاية 30 جانفي 2023، كما أن معظم المبلغ تم سحبه.
المتهم: لا أبدا سيدي الرئيس هذا غير صحيح.. فهذا الرقم مبالغ فيه.
القاضي: تنكر بأن شركتكم لم تكن فرعا غير شرعي لشركة “بايسيرا” ومع هذا فإن هذه الأخيرة هي من يدفع تكاليف إيجار مقر شركتكم وهي من تدفع أجور العمال عن طريق تحويل مبالغ مالية، وحتى تكوين 4 موظفين من الشركة في الخارج تكفلت بهم “بايسيرا” أي هي همزة وصل هنا؟
المتهم: سيدي الرئيس الاتفاقية الأولى، كنا نحن من نتكفل بكل شيء لكن في الاتفاقية الثانية لجأنا إلى صيغة أخرى تتمثل في هامش الربح، حيث نتلقى 100 أورو عن كل موظف.
القاضي يقاطعه: لكن تصريحاتك تتناقض مع تصريحات شريكك “س. كريم”، فأنت تقول إن هامش الربح عن كل موظف هو 100 أورو، وهو يقول 50 أورو؟
المتهم: لا سيدي الرئيس هو يقصد 50 بالمائة و50 بالمائة.
القاضي: ممثل الشركة الأجنبية “بايسيرا” عند قدومه إلى الجزائر، قال لكم خلال الاجتماع إنه في الجزائر هناك تضييق كبير حول نشاط البنوك الافتراضية وطلب منكم عدم التصريح بنشاطهم كما طلب منكم التعامل مع إحدى الجمعيات الخيرية صحيح؟
المتهم: سيدي الرئيس نحن وجهنا للمدير العام للبنك الليتواني “بايسيرا” دعوة رسمية باسم الشركة، وقدم إلى الجزائر بواسطة تأشيرة سياحية، حيث تم استقباله رفقة شريكي بمطار هواري بومدين، وكان هناك اجتماع بخصوص العمل فقط.
القاضي: هناك اتفاقيتان.. أمضيت العقد في سنة 2022 مع بايسيرا LTD. والختم كان مع بايسيرا “LT”؟
المتهم: بايسيرا “LTD”، هي شركة الأم و”بايسيرا “LT” هي فرع فقط.
القاضي: وماذا بخصوص الختم الذي يحوي اسم البنك “بايسيراLT ” وبه الرقم الذي تم العثور عليه من طرف مصالح الأمن بمقر شركة OGS ؟
المتهم: سيدي الرئيس الختم تم إحضاره من طرف المدير العام ومسير بنك بايسيرا “كوستاس نوريكا” عند قدومه إلى الجزائر، خلال شهر أفريل سنة 2022 لغرض استعماله في التأشير على مختلف الوثائق التي يطلبها زبائن البنك.
وأردف المتهم، قائلا: “سيدي الرئيس بنك “بايسيرا” موجود في فضاء الأنترنيت وهو “محفظة إلكترونية” ويعتبر تطبيقا يتم تحميله من قبل الغير وهو موجود قبل ممارسة نشاطي هذا ولا يزال مستمرا لحد الآن ولست ممثلا أو وكيلا لهم.