الرأي

بالدم.. تُرسم خرائطنا

صالح عوض
  • 1828
  • 0

علّمتنا الأحداث الجسام التي مرت بها أمتنا في القرنين الأخيرين جملة حقائق تتعلق بكيفية تعامل الغربيين الاستعماريين معنا، أولها انهم ينظرون إلينا ككتلة واحدة ولكن فاقدة للمشاعر والطموحات وغير مؤهلة لمكانة محترمة بين الأمم.. ولذا تحركوا دوما بالمبضع يقتطعون لحمنا ومفاصلنا كما تشتهي غرائزهم العنصرية ومصالحهم الدنيئة الباطلة ويطلقون علينا الأسماء والمصطلحات والعناوين.. وكلما ظننا انهم اكتفوا بعمليتهم الإجرامية وأخذوا منا ما يريدون، جاءونا من كل الجهات يعصفون بنا، ولا تستقر الأرض تحت أقدامنا حتى تميد من جديد وينشئون لنا مسميات جديدة.

 ولم يتوقف فعلهم على الصعيد الجغرافي او المجتمعي بمعنى التجزئة والتقسيم، بل تعداه وهو الأخطر إلى محاولاتهم تفجير الاسلام من داخله، وكما صرح مسئولوهم سابقا، فإنهم سيصنعون لنا إسلاما على مزاجهم يحقق أهدافهم فينا..

وهم في كل هذه العمليات الإجرامية العنصرية، لم يكتفوا بالتآمر الأمني والتخطيط الاستراتيجي والتحريض الإعلامي والدفع بالمال والسلاح عن بُعد، انما تقدّموا بكل وقاحة وعنجهية المستبد الطاغي بدباباتهم واسلحتهم المتطورة يدوسون على صدور ابناء الأمة ويدمرون مساكنهم ويجيسون خلال الديار بكل فسادهم وإفسادهم..

بالدم رسموا خرائطنا المذهبية والجغرافية والقومية والوطنية وحرمونا من اهم صفات أمتنا التي عرفت بها وهي التنوع في اطار الوحدة والتعدد في الاجتهاد على أرضية النص الواحد والنظر للآخر على اعتبار انه أخ في الدين او نظير في الخلق وان لا فضل لأحد على أحد الا بما يقدم من خير للإنسانية ويبتعد عن الشرور والمفاسد.. بالدم تلونت الحدود بيننا لنفقد الباعث لتوحيدنا او على الأقل لنفقد الإحساس بإمكانيته.. وفي هذا يكونون قد انجزوا ضربتهم الاستراتيجية لقلب الأمة وجهازها المركزي.

وما جرى في مؤامرة سايكس بيكو عام 1916، إذ منذ 99 سنة، لم يكن الا تعبيرا عن منهج ثابت لديهم، لذا شاهدناهم كيف يرسمون خريطة السودان ويقتطعون جنوبها عن شمالها بعد حرب هوجاء كادت ان تُهلك الحرث والضرع.. الأمر نفسه في العراق كيف يرسمون الآن خريطته بالحراب والقنابل ليقطعوه ثلاثة اجزاء، والأمر نفسه في سورية، حيث يراد لها ان تكون اربعة أوطان، والأمر نفسه في ليبيا والمخطط مبيّت لمصر والسعودية وسواهما من بلاد العرب والمسلمين، فيما نحن نواجه سيوفهم بالشكوى لمؤسسات هم صنعوها ويعرفون سرّ تحركها.. نحن نواجه فتكهم بنا بالشكوى إليهم ورفع القضايا لمؤسسات هم يعرفون خطوطها الحمر، ونواجه مزيدا من تعنتهم وغطرستهم بمزيد من التأييد لهم!؟ اننا لن ننصرف عن أبوابهم ونُدخلهم في خاصة قضايانا.. أليس من العار ان نتناقش في قضية سوريا في جنيف؟ ألا توجد بلاد عربية واحدة مؤهلة لاستضافة الإخوة السوريين وإرغامهم على حل وسط؟ أليس من العار ان يكون اجنبي بريطاني او امريكي او سواهما هو المرجع لحل القضية الليبية او السورية او العراقية؟

اجل، انهم بالدم والمكيدة التاريخية يرسمون حدودنا، ليست فقط الجغرافية والمذهبية والقومية، بل وحدود تحركنا في الحياة، فيمنعوننا من شراء التكنولوجيا او صناعتها، وإن استدعى الأمر فهم يحاصروننا ويرغموننا على شروطهم او يدمرون منشآتنا..

في مقابل هذا، لا بد من ردعهم.. لابد من امتلاك القوة.. لابد من الإعداد لعناصر القوة لكي يرهبوا جانبنا وينزلوا للتفاهم معنا.. وعناصر القوة تبدأ بكل ما هو استراتيجي من التكنولوجيا الحديثة.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة