برج الكيفان في حداد بعد فقدانها عددا من أبنائها
فاجعة كبيرة ألمت بسكان برج الكيفان شرق العاصمة، بعد تلقيهم نبأ وفاة أبناء منطقتهم “بالجملة” على اثر الحادث المرور الأليم للحافلة التي سقطت من مرتفع بأعالي تيكجدة في البويرة أمسية الجمعة، ذهبوا في رحلة استجمام من أجل التمتع والتخلص من ضغوطات الحياة، ليعودوا في اليوم الموالي محملين في صناديق، أغلبهم أطفال ونساء..
حي الضفة الخضراء ببرج الكيفان القريب من شاطئ البحر، ذاك الحي الذي يتقاسمه الفقير والميسور، أيقظ سكونه أمس صدمة وفاة أبنائه، فكان الحزن ينتشر في كل أنحائه وكل الكلمات من أفواه المعزين تقول “حومتنا راحت.. خلات.. واش يصبرنا ويصبر عائلاتهم في هاذ العواشير”.. كانت الساعة تشير إلى حدود 11 من صبيحة السبت، عندما اقتربت “الشروق” من حي الضفة الخضراء ببرج الكيفان، الذي كانت رائحة الموت تصدر منه، فكانت الصدمة والحزن أكثر ما كان يظهر على الوجوه، مجموعات من الرجال رصدناها هنا وهناك وكل حديثهم لم يخل عن الفاجعة التي استقبلوها أياما قبل حلول رمضان، ولم يجد المعزون أي منزل يسبقون لمواساة بعضهم البعض.. والكل يهرول لوصول الجنازة، غير انه وإلى غاية الواحدة زوالا لم تصل جثامين الضحايا بسبب الإجراءات وطول الطريق وحالتها بسبب الاضطرابات الجوية.
تلاميذ نجباء وسيدة حامل بين المتوفين
ما إن ولجت “الشروق” حي الضفة الخضراء، شاهدنا توافد نساء ورجال على عائلات الضحايا، لمواساتهم وملامحهم تظهر عليها الصدمة وعدم تقبل موت أقاربهم وجيرانهم الذين لم يتوقفوا عن البكاء والحسرة على فقدان أحبائهم، كما أنهم مصدومون، لأنهم كانوا سيذهبون معهم في الرحلة، غير أنهم عدلوا عن ذلك، منهم شقيقتان دفعتا تكاليف الرحلة، وفي آخر لحظة منعتهما والدتهما.
إحدى جارات راضية دايلي، زوجة قوسمي، أكدت أنها لطالما نصحتها بعدم الذهاب في جماعة إلى الرحلة، طالبة منها التريث، لأن الطريق غير آمنة على أن تؤجلها ليوم آخر وتذهب رفقة زوجها، لكنها أصرت على الذهاب رفقة ابنتها البالغة 19 سنة تدرس سنة ثانية في الجامعة، تاركة وراءها ابنة وابنا قاصرين وزوجها الذي لم يتقبل فقدانهما، حسب شهادات الجيران الذين أكدوا أن الضحية لطالما كانت تحفز أبناءها على الفوز في الدراسة وتحرص على حيازتهم المراتب الأولى مثلما هو الحال بالنسبة لابنتها النابغة التي نجحت في شهادة التعليم المتوسط بتفوق وحازت على اكبر الجوائز بمنطقتها، راضية التي ذهبت إلى العالم الآخر رفقة والدتها، فضلا عن ابن شقيقها القاصر، كما راح ضحية الحادث ابن شقيقها الثاني الذي كان يقود الحافلة، فيما توجد زوجة شقيقها في حالة حرجة، قيل لنا أنها ترقد في الإنعاش بسبب تعرضها لارتجاج في المخ.
انتقلت “الشروق” بعدها إلى منزل عائلة “معواج” الذي كان يكتظ بالمعزين، فرغم أننا لم نصادف أفرادا من عائلتها المقربين، إلا أن كل الحضور كان يبكي بحرقة على فراق جارتهم الحامل وابنتيها لينة صاحبة ثلاث سنوات وسيرين 16 سنة، تاركة سيف الدين المدعو “سيفو” المصاب بالتوحد، وحيدا والذي لن يجد من يتكفل به سوى والده وجده بعد أن توفيت قبل شهرين جدته وتبعتها أمه وشقيقتيه، وأشارت تصريحات إحدى الصديقات المقربة من الضحية وهي استاذة في الابتدائي والدموع تنهمر من عينيها، كانت دائمة متخوفة من مستقبل “سيفو” وعن مصيره في حالة إصابتها بأي مكروه وبأنها لا تقلق بشأن بناتها مثلما هو الحال بالنسبة لابنها الوحيد، ولم تخل كلمات المعزين من الأسى لعدم تمكن المرحومة من استغلال شقتها الجديدة “عدل” وإتمام فرحة دخولها حتى لا تتأثر بناتها في حال تغيير مؤسساتهن المدرسية وسط العام.
وأضافت قائلة: “هي والله مولات خير.. تحن على الفقير والمستضعفين”، كما أنها قبل 15 يوما فقط تكفلت بشراء ملابس لإحدى اليتيمات بالمدرسة وطلبت منها شراء حذاء شتوي لتلميذة فقيرة أخرى، وكانت وقتها تصر على عدم ذكر اسمها.
كما لقيت مطلقة حتفها في الحادث رفقة ابنتها، فيما نجا ابن شقيقها، وترقد تلميذة مقبلة على شهادة البكالوريا بمستشفى البويرة من ضمن 35 جريحا.
وذكرت الشهادات من عين المكان، أن أحد الناجين من الحادث صرح لهم، أنهم وفي طريق عودتهم في حدود الرابعة بعد الزوال من أمسية الجمعة، أن سائق الحافلة يكون قد فقد السيطرة على الفرامل في المنحدر، وعندما سأله، اخبره بأن الحافلة تكون قد استنفدت البنزين حتى لا يربك الركاب الذين وصل عددهم باحتساب الأطفال إلى 61 شخصا –تؤكد الشهادات-.