-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بعد فاجعة سطيف التي أودت بحياة شاب

انتشار النحل في المقاهي ومحلات الحلويات… مشهد مألوف يتحول إلى خطر قاتل

سمير مخربش
  • 947
  • 0
انتشار النحل في المقاهي ومحلات الحلويات… مشهد مألوف يتحول إلى خطر قاتل
ح.م
تعبيرية

لم يعد مشهد النحل وهو يحوم فوق كؤوس العصير، وواجهات الحلويات، وصواني “قلب اللوز”، أو يشارك الزبائن جلساتهم داخل المقاهي، يثير الاستغراب، بعد ما تحول إلى ظاهرة تتكرر يوميا لاسيما خلال فصل الصيف، في وقت يزداد فيه الإقبال على المشروبات الباردة والحلويات الشرقية بعسلها ونحلها أيضا، غير أن ما كان ينظر إليه لسنوات على أنه مجرد إزعاج موسمي، أصبح اليوم يطرح مخاوف حقيقية بعد الحادثة المأساوية التي هزت الرأي العام، إثر وفاة شاب في مقتبل العمر بعد تعرضه للسعة نحلة استقرت داخل كأس عصير كان يشربه داخل مقهى ببلدية قجال بولاية سطيف.
هذه الفاجعة فتحت ملفا طالما ظل مهملا، يتعلق بانتشار النحل داخل المقاهي والمحلات التجارية، ومدى احترام أصحابها لشروط النظافة والوقاية، كما أثارت تساؤلات حول مسؤولية مختلف المتدخلين في حماية المستهلك من مخاطر قد تكون قاتلة.
في جولة قادتنا إلى عدد من المقاهي ومحلات بيع الحلويات والمثلجات بمدينة سطيف والعلمة وعين ولمان، لم يكن من الصعب ملاحظة أسراب النحل وهي تتنقل بحرية بين الطاولات، وتحط فوق أكواب المشروبات الغازية والعصائر، بل وحتى فوق قطع “قلب اللوز” والبقلاوة والمثلجات المعروضة للزبائن. وفي أكثر من محل، كان العمال يلوحون بأيديهم لطرد النحل عن المنتجات، بينما يواصل الزبائن استهلاك طلباتهم وسط حالة من الحذر، في مشهد يكاد يصبح عاديا رغم ما يحمله من مخاطر.

طنين يتجاوز الإزعاج وخطر يحوم حول الأكواب
داخل أحد المقاهي وسط مدينة سطيف، اضطر أحد الزبائن إلى تغطية كأس العصير بيده بين كل رشفة وأخرى بعد ما لاحظ اقتراب عدد من النحل منه، بينما انشغل طفل صغير بمحاولة إبعاد نحلة استقرت فوق قطعة حلوى. أما صاحب المقهى، فلم يخف انزعاجه من هذه الظاهرة، مؤكدا أن النحل يزداد بشكل لافت كلما ارتفعت درجات الحرارة، وأن التخلص منه ليس بالأمر السهل، خاصة مع وجود الأشجار والحدائق القريبة.
غير أن هذه المشاهد البسيطة تخفي وراءها خطرا قد يكون قاتلا، وهو ما جسدته مأساة الشاب سرار عبد المالك، البالغ من العمر 19 سنة، الذي لفظ منذ أيام أنفاسه الأخيرة بمستشفى سطيف، بعد تعرضه للسعة نحلة داخل البلعوم أثناء تناوله كأس عصير داخل أحد المقاهي بمدينة راس الماء التابعة لبلدية قجال.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضحية كان يتناول كأس عصير في حدود الساعة الثامنة صباحا، قبل أن يغادر نحو مقر عمله بقرية بئر الأبيض، غير أنه أحس في الطريق بصعوبة شديدة في التنفس مع تورم على مستوى القصبة الهوائية، ليتم نقله إلى العيادة المحلية، ثم تحويله إلى مصلحة الأنف والأذن والحنجرة بالمستشفى الجامعي، حيث فارق الحياة بعد ساعات قليلة، في حادثة خلفت صدمة كبيرة وسط سكان المنطقة، وفتحت النقاش حول خطورة لسعات النحل داخل الفضاءات التجارية.

بعد الفاجعة… الرقابة تتحرك والمختصون يدقون ناقوس الإنذار
ولم تمر الحادثة من دون رد فعل من السلطات، إذ باشرت مصالح الأمن ومصالح التجارة تحقيقا ميدانيا للوقوف على أسباب استفحال الظاهرة، كما شرعت في تكثيف عمليات الرقابة على المقاهي ومحلات بيع الحلويات والمثلجات، بعد أن كشفت المعاينات الأولية عن وجود شكاوى سابقة من مواطنين تعرضوا للسعات نحل داخل هذه الفضاءات، في وقت ترجح فيه الجهات المختصة أن يكون سوء حفظ المنتجات الغذائية المكشوفة، وضعف الالتزام بقواعد النظافة، من بين العوامل التي تزيد من استقطاب النحل.
ويرى الدكتور محمد بوعزيز في تصريح للشروق، أن النحل لا يهاجم الإنسان بطبيعته، لكنه ينجذب بقوة إلى الروائح السكرية المنبعثة من العصائر والمشروبات الغازية والحلويات، خاصة عندما تترك مكشوفة لفترات طويلة. ويؤكد أن أخطر السيناريوهات تتمثل في دخول النحلة إلى الفم أو البلعوم أثناء الشرب، حيث يمكن أن تتسبب لسعتها في تورم سريع للمجاري التنفسية، وهو ما يؤدي إلى الاختناق، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية تجاه سم النحل، وقد يحدث ذلك حتى لدى أشخاص لا يعرفون مسبقا أنهم مصابون بهذه الحساسية.
ويضيف المتحدث أن الوقاية تبدأ من احترام قواعد حفظ الأغذية، واستعمال واجهات عرض مغلقة، وتغطية المشروبات عند تقديمها، مع ضرورة تدخل المصالح المختصة للقضاء على أماكن تكاثر الحشرات داخل المحيط العمراني، إلى جانب توعية المواطنين بعدم ترك الأطعمة والمشروبات مكشوفة في الأماكن المفتوحة.
أما المختص في حفظ الصحة، الأستاذ عبد القادر بوشريط، فيعتبر أن وجود النحل بكثرة داخل المحلات التجارية ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل يعكس في كثير من الأحيان وجود نقائص في شروط النظافة أو في طرق عرض المنتجات. ويشير إلى أن الحلويات التقليدية والمثلجات والعصائر تحتوي على نسب مرتفعة من السكريات، ما يجعلها عامل جذب رئيسي للنحل، خاصة إذا كانت معروضة خارج واجهات زجاجية محكمة الإغلاق، أو في محلات لا تعتمد وسائل فعالة لمنع دخول الحشرات.
وخلال الجولة، أجمع عدد من المواطنين على أن الظاهرة أصبحت مقلقة. يقول عبد الكريم، موظف من مدينة العلمة: “في كل مرة أطلب فيها عصيرا أبقى أنظر داخل الكأس قبل كل رشفة، لأن النحل أصبح في كل مكان، وبعد الحادثة الأخيرة صرت أكثر حذرا.”
أما السيدة أمينة، وهي ربة بيت من سطيف، فتؤكد أنها أصبحت تتجنب شراء الحلويات الشرقية المعسلة المكشوفة، مضيفة: “كنا نعتبر وجود النحل أمرا عاديا، لكن بعد وفاة ذلك الشاب أدركنا أن الأمر أخطر مما كنا نتصور.”
ويقول الشاب ياسين من عين ولمان: “المطلوب ليس فقط معاقبة المخالفين، بل فرض تجهيزات حديثة لحماية الأغذية داخل المقاهي والمحلات، لأن حياة الزبون أهم من أي تكلفة إضافية.”
ويجمع أصحاب بعض المحلات من جهتهم على أن الظاهرة ليست مرتبطة بالإهمال وحده، وإنما بارتفاع درجات الحرارة وانتشار الأشجار المثمرة وخلايا النحل في محيط المدن، غير أنهم يعترفون في المقابل بأن اعتماد واجهات عرض محكمة، وتركيب ستائر هوائية أو شبكات مانعة للحشرات، يمكن أن يحد بدرجة كبيرة من دخول النحل إلى داخل المحلات.
ويبقى المؤكد أن حادثة قجال غيرت نظرة الكثيرين إلى هذا المشهد اليومي، فالنحلة التي كانت توصف بأنها رمز للطبيعة والعمل الدؤوب، قد تتحول في ظروف معينة إلى مصدر خطر حقيقي عندما تجد طريقها إلى كأس عصير أو قطعة حلوى. وبين مسؤولية أصحاب المحلات في احترام شروط النظافة، ودور الهيئات الرقابية في فرض تطبيقها، ووعي المستهلك بضرورة الانتباه قبل تناول أي مشروب أو غذاء مكشوف، تبقى الوقاية خط الدفاع الأول لتجنب مآسٍ جديدة، قد تبدأ بلسعة صغيرة وتنتهي بفاجعة لا يمكن تداركها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!