الرأي

برنوس الزعامة!

جمال لعلامي
  • 4108
  • 1

استقالة حسين آيت احمد، من الأفافاس، أقدم حزب معارض في الجزائر، هي رسالة لكلّ السياسيين والمناضلين، وهي رسالة إلى “لجيل القديم” الذي عليه أن يسلـّم المشعل لـ”الجيل الجديد”، حتى وإن كان بالتدريج وبالحكمة والهدوء، والأكيد أن تقدّم سنّ “الدا الحسين” هو أحد الأسباب المباشرة لهذا القرار الذي يستدعي توقفا سياسيا عميقا.

قرار آيت أحمد بالتنحّي عن قيادة جبهة القوى الاشتراكية، وعدم الترشح خلال المؤتمر القادم للحزب، تعود بالمراقبين والمتابعين لتطور الخارطة السياسية في البلاد، إلى برنوس الزعامة، الذي خدم أحزابا، لكنه أضرّ بها كثيرا في نفس الوقت!

من الصعب أن يتصوّر المناضلون، خاصة الرعيل الأول، أفافاس بلا آيت أحمد، مثلما أكدت الأيام أن حماس بلا محفوظ نحناح، هي دار بلا سقف، أو “مرميطة” بلا طعم ولا لون، لكن لا رادّ لقضاء الله، وهذه هي الحياة: سابقون ولاحقون!

الزعامة هي ظاهرة صحية، لكنها مرضية أيضا، فانسحاب آيت أحمد، سيضرّ الأفافاس أكثر ممّا يخدمه، وهذا هو الشيء المؤسف والمؤلم في تسيير إرث الأحزاب التي يتمّ تشييدها وبناؤها بأيادي وقرارات الزعيم فقط.

نعم، “يد واحدة ما تصفـّق”، لكن هذا لا يمنع من القول بأن شخصيات وطنية وتاريخية من عيار حسين آيت أحمد، نجحت في بناء حزب متماسك ومؤثر، حتى وإن عرف محاولات “للتصحيح” وشهد كذلك حركات “تمرّد وعصيان”، لكنها لم تكن أبدا ضد الزعيم، وإنّما كانت ضد جزء من “الحاشية” أو القياديين الذين عيّنهم أو اختارهم الزعيم لتسيير شؤون الحزب!

وحتى لا نستبق الأحداث، بالنسبة لمصير ومستقبل الأفافاس بعد استقالة آيت أحمد، أو الإخطار بها، من الضروري التذكير بما حدث مثلا لحركة حماس التي فقدت عصاها الضاربة، وتحوّلت إلى حمس بلا حسّ ولا خبر، بمجرّد وفاة شيخها الراحل محفوظ نحناح!

لقد انقسم شمل حركة مجتمع السلم، بعد رحيل الزعيم و”كبير الدار”، حيث فرّخت الحسابات والصراعات والمصالح وحرب الزعامات حمس، وأيقظت الفتنة بين أبنائها، والأخطر من ذلك، خرج من ضلعها أحزاب ومتمردون يقودهم عبد المجيد مناصرة وعمار غول!

حتى وإن انسحب أو “تمرّد” أو غضب أحمد جداعي وأرزقي فرّاد وكريم طابو، وغيرهم من الأفافاس، إلاّ أن هذا الأخير ظلّ بزعيم واحد وقائد واحد وربّان واحد، يقرّر ويقود السفينة إلى أين يشاء، حتى وإن اتهمه البعض بـ”الديكتاتورية” والأحادية وتسيير الحزب بواسطة “التليكوموند!”

الاشكالية أن زعماء الأحزاب، لا يبحثون عن “البديل” ولا يختارونه في حياتهم، الأمر الذي يعرّض “الإرث” إلى التوزيع العشوائي وإلى الضياع بسبب “الهوشة” بين الأشقاء الفرقاء، ولعلّ نموذج حمس دليل على ذلك، في انتظار ما الذي سيحصل للأفافاس، وإن اختلفت القرائن والمؤشرات والولاءات!

النظرية تقول بأن نفس الأسباب في نفس الظروف تؤدي إلى نفس النتائج، والرياح التي هبّت على حمس وستهبّ على الأفافاس، بوسعها أن تتحوّل إلى إعصار ساندي أو تسونامي يقتلع أشجار وأحجار أحزاب تكفر بالتبدّد أو التعدّد أو التجدّد، بسبب اعتقاد “زعمائها” بأن لا بديل لهم في هذا الكون، ولذلك يرى كلّ واحد منهم أنه زعيم الله المختار!

مقالات ذات صلة