بريبر يحاكم تجار الذاكرة وسماسرة التاريخ
التقى، عشاق الفن الرابع، الثلاثاء، على خشبة مسرح قسنطينة الجهوي بـ”صاحي بالنوم”، في ثاني عمل مسرحي بعاصمة الثقافة العربية من إخراج عبد الكريم بريبر عن نص رشدي رضوان، وإنتاج المسرح الوطني.
وسط حضور غفير يتقدمهم الممثلون حكيم وجمال دكار، عنتر هلال ومدير الأوركسترا السيمفونية الوطنية عبد القادر بوعزارة وجمهور من مختلف الشرائح غصّ به المسرح، صنعت مسرحية “الصاحي بالنوم” الحدث بعد التفاعل المباشر للجمهور مع أحداثها، فالمسرحية عبارة عن كوميديا ساخرة ناقشت قضية التاريخ في ظلّ تعقيدات الراهن لكن من زاوية لم يخضها المسرح الجزائري من قبل، حيث فتحت المسرحية موضوعا حساسا يتعلق بالمتاجرة بالتاريخ، و لو كان على حساب الأرواح لذا جاءت جدلية وطرحت أسئلة عديدة بلمسة فلسفية فكان اللعب على ثنائية “اليقظة والنوم” كأساس وثنائيات أخرى عن الحب واللاحب، الخيانة أو اللاخيانة، الموت والحياة، القبول أو الرفض وغيرها، وكلّ هذه التساؤلات المثيرة لفكر المتلقي انطلقت من التاريخ والمتاجرة بالذاكرة.
تدور أحداث المسرحية في الليل داخل فضاء تاريخي “متحف” يحرسه حارس يدعى موح “محفوظ بلهاني” الذي يعيش ليلة غريبة الأطوار بعدما يدعو صديقته لزيارته، لكن يفاجأ بصديقه “ريشة” يدخل عليهما تحت غطاء الزيارة، لكن بهدف سرقة صورة تاريخية مهمة من خلال اتفاقه مع “عصابة”، وبعد أن أسكرهم “خمرا” همّ لسرقة اللوحة، لكن يعود مجاهد إلى الحياة ويمنعه من ذلك، في إشارة إلى أنّ الشهداء لو يعودون لن يرضوا عن مجموعة من الممارسات السلبية، وبين النوم واليقظة تختلط الأحداث على الحارس “موح” وحبيبته “حجلة” (نسرين بلحاج)، خصوصا بسبب زيارة “سماسرة التاريخ” (جعفر بن حليلو ومحمد بزاجي” وإغرائه له ماديا بهدف “تركيعه” ببيع أرض المتحف وفي حالة الرفض يكون جزاؤه الموت رفقة عائلته، لكن أمام هذا الامتحان الصعب عن الوطنية وإمكانية القدرة على الخيانة أو التضحية وبين الرفض والقبول والعيش حياة كريمة أو حياة الألم فضلّ موح التضحية والموت بقنبلة السماسرة التي أخذها إرغاما بهدف تفجير المكان، وبالتالي انقاذ حبيبته والمتحف الذي يعني الذاكرة والتاريخ.
جسدت القصة في ديكور وسينوغرافيا بسيطين، لكن ثريين رمزيا من خلال بعض البورتريهات المعروضة في المتحف لشخصيات مناضلة وشهداء جزائريين على غرار العربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد والأمير عبد القادر مؤسسة الدولة الجزائرية وحسيبة بن بوعلي، إضافة إلى تمثال مجاهد يحمل بندقية وبعض الأشياء الأخرى التي عكست مدى التاريخ الطويل لجزائريين ضد المستعمر، لكن كان زي الممثلين عصريا رسمه المخرج في “كومبا” الحارس وفستان “حجلة” ولباس “السماسرة” الرسمي الذي ترتديه عادة رجال المافيا وكبار الشخصيات.
وقال المخرج بريبر إنّ “صاحي بالنوم” راعى المساحة الموجدة بين الحلم والحقيقة، حيث احتوى النص على دلالات قوية وطرحت تساؤلات عن الوطنية التي جسدها الحارس “موح”، هذا الأخير ضحى من أجل المتحف وحبيبته وبلاده وبلّغ رسالة مفادها أنّ الأمل في جيل اليوم ما يزال موجودا.