بريكة وأخواتها!!
تصلني في حياتي المهنية والخاصة، على مدار السنة، الكثير من الدعوات لزيارة مدن جزائرية والالتقاء بشبابها وجمعياتها الرياضية والثقافية ومختلف التنظيمات الطلابية التي تسعى للاحتكاك وتبادل التجارب والأفكار، وأحرص قدر المستطاع على تلبية تلك الدعوات رغم الظروف المهنية التي تمنعني والتضييق الذي أتعرض له من طرف الحاقدين وأتباعهم من المنتفعين والمتملقين، وفي كل مرة يزداد يقيني بأننا على صواب وبأنهم مخطئون ومقصرون في حق وطننا وأبنائنا في كل شبر من هذه الأرض.
آخر محطة لي كانت في واحدة من مدن الجزائر العميقة “بريكة” في ولاية باتنة بدعوة من قدماء لاعبي أمل بريكة وبعض أعيانها وأبنائها الشجعان الذين غمروني بتقديرهم واحترامهم، ولمست لديهم الكثير من الحب لوطنهم والوعي بالمخاطر التي تهدد مستقبله في ظل المعاناة المعنوية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤلمهم لأنها تتزايد من يوم لآخر في وقت يزداد الكذب والتراجع والنهب، ويزداد الغني غنا والفقير فقرا ويأسا وحسرة..
وجدت شبابا واعيا على اختلاف مستوياته الفكرية والعلمية، ومدركا بفطرته وتجاربه وذكائه لكل ما يهدد الوطن من آفات وممارسات يعرفونها كلها، ما ظهر منها وما بطن ولا تخفى عنهم خافية بفعل وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة التي جعلت من الجزائر القارة مجرد قرية صغيرة يتبادل أبناؤها الأخبار والأفكار إلى درجة جعلتهم مطلعين على كل صغيرة وكبيرة وعلى كل التقصير الحاصل في مختلف المواقع.
لمست أيضا معاناة متزايدة لشريحة شبانية كبيرة من بطالة متفشية وبيروقراطية متجذرة وازدهار فظيع للتجارة الموازية والنهب المبرمج لخيرات الوطن مقابل إصرار أكبر من هذا الشعب على الصبر والتحمل إدراكا منه بأن الجزائر تتوفر على كل مقومات الازدهار والرفاهية لأبنائنا عندما نتخلص من الرداءة المتفشية في الكثير من المواقع ونتخلص من عصابات قوى الشر التي تتكاثر في كل مكان ومجال، وعندما يصبح القانون فوق الجميع ويعم الحب والاحترام والتقدير محل الكراهية والحقد والاقصاء ..
على بساطة الناس الذين التقيتهم هذه الصائفة في بريكة وأخواتها نقاوس ومدوكال وعنابة وسكيكدة والحروش وقبلها وهران والحراش وغيرها من الأماكن التي زرتها وقفت أيضا عند قوة التحمل والصبر الذي يتحلى به أبناؤنا والأمل الذي يحذوهم في غد أفضل رغم تذمر بعضهم من الأوضاع التي يعيشونها والممارسات التي يعانون منها بتواطؤ من جماعات مصالح تتمادى في النهب والسلب والتحايل على القوانين والتهرب من تحمل مسؤولياتها السياسية والاجتماعية والتاريخية.
كل يوم أزداد يقينا بأننا ظلمنا أنفسنا وظلمنا شعبنا ووطننا الذي لا يزال يعاني مظاهر تخلف تدفع إلى الانتحار أو الانفجار في وقت يسود الاعتقاد بأننا نجحنا في استغفال الشعب وإلهائه عن شؤونه وقضاياه المصيرية، واعتقدنا بأن أبناءنا لا يعلمون شيئا مما يحدث هنا وهناك وينتظرون فقط انتصارات منتخب الكرة وترحيلهم إلى سكنات لائقة ومزيد من التسهيلات الادارية والاجتماعية المؤقتة.