بعد “دافوس” 2026: هل انتهى عهد الأصدقاء والحلفاء؟
لعل أهم درس نَخرج به اليوم بعد اختتام أشغال منتدى “دافوس” الأخير (19-23 جانفي 2026) أن العالم لم يعد يتحرك ككتل أو كتحالفات أو كأصدقاء بقدر ما أصبح يتحرك كدول وكيانات وشركات عملاقة وأفراد لديهم جميعا مصالح غير ثابتة وأصدقاء غير دائمين وأحلاف غير مستقرة… لقد بدا وكأن عصر احتماء بعض الدول بحلفاء أو أصدقاء دائمين للحفاظ على وجودها أو امتلاك عناصر القوة اللازمة لها قد انتهى إلى غير رجعة.
كل دولة أو كل كيان أو كل فرد بات يشعر اليوم أن مكانته مرتبطة بالأساس بقدر ما يملك من عناصر قوة مادية ومعنوية داخلية لا بقدر ارتكازه على هذا الحليف أو ذاك بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها! لقد انتهى عهد الأصدقاء ومعاهدات الصداقة والشركات الاستراتيجية والأحلاف العسكرية… “الناتو” بذاته بات مهدَّدا بالتفكك! لم يعد أعضاؤه مطمئنين أنهم سيُدافعون على بعضهم بعض في حالة السلم فكيف في حالة الحرب! رغم الخطابات التي مازالت تُقال هنا وهناك بشأن التكامل عبر الأطلسي! ولا أتصور بأن الأوروبيين صدَّقوا “ترامب” عندما أعلن أمام قمة “دافوس” بأنه لن يستخدم القوة العسكرية لضم غرينلاند، بل سيشتريها فقط! وبالتي هي أحسن! مُتحَجِّجا بأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا يستطيع الأوروبيون وحدهم الدفاع عنها… وهكذا باتت هذه “الأرض الباردة” ضحية موقعها في النصف الغربي من الكرة الأرضية الذي بات وفق مبدأ “مونرو” الجديد “دونرو” مجالا مرتبطا مباشرة بالأمن القومي الأمريكي… وذات الأمر بالنسبة لبقية دول العالم…
هل مجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأمريكي يضم حلفاء وأصدقاء أم هو هيئة دولية جديدة تحت سلطة رئيس يتحكم فيها بالطريقة التي يريد؟
هل مجموعة “بريكس” بعد ما حدث في فنزويلا هي بالفعل مجموعة حلفاء أم مجموعة تنسيق مصالح بين دول؟ الفرق شاسع! ما الذي جعل فنزويلا رغم إمضائها اتفاقيات شراكة وتعاون استراتيجي سنة 2025 مع روسيا، ورغم انضمامها إلى اتفاقيات الحزام والطريق الصينية منذ سنة 2018 مع الصين، تجد نفسها وحيدة أمام التدخل الأمريكي واعتقال الرئيس مادورو؟
ولا أتحدث عن المنظمات الإقليمية والجهوية، بل حتى عن الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ألم يتم إفراغها جميعا من محتواها الأممي، بل وفقدت القدرة على التأثير على الصعيدين الجهوي والعالمي رغم المشاركات الرمزية لأعضائها بين الحين والآخر في محاولة رسم سياسات أو اتخاذ مبادرات؟…
ألا يدل هذا أن الاتجاه الأعظم بعد قمة “دافوس” الأخيرة، سيتمثل في تأكيد النزعة الفردية لكل دولة أو كيان أو شخصية؟ كل يُخطِّط للدفاع عن نفسه بعيدا عن أية تحالفات أو صداقات ماضية؟
بالفعل تكفي مقارنة خطابي الرئيسين الأمريكي والكندي الجارين ليتأكد لنا هذا الاتجاه…
الرئيس الأمريكي لا يخفي هدفه الأساسي بما يتطابق مع شعار حملته الانتخابية”أمريكا أولا”، ولا يتوقف عن انتقاد أوروبا حليفه الأول افتراضا، ويمارس سياسته الخاصة بفرض الرسوم الجمركية عليها كما يفعل مع أية بقعة أخرى من العالم.
و”مارك كارني” الرئيس الكندي بات اليوم يتحدث عن ضرورة “استقلال استراتيجي” خاصة بعد زيارته للصين، ويؤكد بداية أفول النظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي وأن هذا النظام الدولي لن يعود.
والاتحاد الأوروبي بدأ يتحدث على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية عن “تحول جيوسياسي عالمي” يفرض شكلا جديدا من الاستقلال، مختلفا عما عرفه من قبل… أما الصين فتبقى بخطابها المدافع عن العولمة وحرية التجارة الدولية الوحيدة التي مازالت لم تلتحق بركب الاتجاه الانعزالي في العالم، ولا يُستبعد أن تلتحق، وإذا ما فعلت ذلك فلن يبقى لنا سوى إعلان نهاية عهد الأصدقاء والحلفاء في هذا العصر، ولِيبحث كلٌ على صديقٍ وحليف بداخله إذا ما وجد! لعله يضمن البقاء…